تسلم وزير خارجية السودان لام أكول يوم السبت رئاسة مجلس وزراء الخارجية العرب كأول «شخص غير عربي» يتبوأ هذا الموقع، في خطوة لها دلالات كبيرة في السودان الذي يواجه امتحان الحفاظ على وحدته بسبب النزاع الداخلي بين هويتيه العربية والإفريقية المزدوجة.
وكان وزراء الخارجية الذين بدأوا السبت اجتماعا تحضيريا لمؤتمر القمة العربي اختاروا حسب التقليد المتبع وزير خارجية البلد المضيف رئيسا لمجلسهم للسنة المقبلة.
وتولى أكول حقيبة الخارجية في السودان في سبتمبر الماضي في حكومة الوحدة الوطنية التي تم تشكيلها بموجب اتفاقية السلام التي وقعتها حكومة الرئيس عمر البشير والحركة الشعبية برئاسة زعيمها الراحل جون قرنق بداية العام الماضي وأنهت أكثر من 20 عاما من الحرب الأهلية في جنوب السودان.
وأكول أحد أبرز قيادات الحركة الشعبية، وهو مسيحي ينتمي لقبيلة الشلك الإفريقية وهي ثالث أكبر قبائل جنوب السودان وتقطن منطقة أعالي النيل على ضفاف النيل الأبيض.
وهي أقرب مناطق الجنوب إلى الشمال وأكثرها تداخلا معه. ودرس أكول الهندسة الكيميائية في جامعة الخرطوم التي ابتعثته إلى بريطانيا حيث حصل منها على شهادة الدكتوراه العام 1980 .
وعاد منها إلى السودان ليلتحق بطاقم التدريس في الجامعة محاضرا في كلية الهندسة، لكنه لم يكتف أكول بالحياة الأكاديمية فانخرط في نشاط سياسي معارضا لحكومة الرئيس الأسبق جعفر النميري الذي شهد عهده مطلع ثمانينات القرن الماضي عودة التوتر إلى جنوب البلاد بعد عشر سنوات من اتفاقية السلام التي وقعها في أديس أبابا العام 1972.
حيث اتهمه معارضوه الجنوبيون بخرق اتفاقية السلام بقرار تقسيم الجنوب إلى ثلاثة أقاليم.وكان أكول أحد زعماء التجمع النقابي الذي أسهم مع أحزاب سياسية معارضة في الإطاحة بحكم النميري في انتفاضة شعبية في أبريل 1985.
حيث غادر الخرطوم منتصف العام 1986 ليلتحق بالحركة الشعبية التي بدأت تمردا مسلحا في جنوب البلاد في مايو 1983 وعينه زعيمها عضوا في القيادة السياسية والعسكرية للحركة المكونة من 13 شخصا.
وتحول الأستاذ الجامعي من قاعات الدرس إلى حرب العصابات وأصبح قائدا عسكريا ميدانيا خاض عدة معارك ضد الجيش الحكومي، ثم أصبح مسؤولا عن العلاقات الخارجية والمفاوض الرئيس للحركة في المفاوضات السياسية مع الحكومات السودانية المتعاقبة.
ويحمل تولي أكول لرئاسة مجلس وزراء الخارجية العرب دلالة شديدة الأهمية في السودان المتنازع بين هويتيه العربية والإفريقية وكانت سببا في دخول البلاد في حرب أهلية متقطعة منذ العام 1955.
وتشدد النخب الجنوبية على الهوية الإفريقية للسودان، وتعتبر الهوية العربية التي ينتمي إليها سكان الشمال وسكانه خليط من الدماء العربية والإفريقية دخيلة على البلاد، ويطالب المتطرفون منهم باستعادة الهوية الإفريقية الكاملة للسودان ويطالبون السكان الذين تجري فيهم دماء عربية بالخروج من البلاد والعودة من حيث أتى آباؤهم.
ولعبت الصدفة وحدها دورا في عقد القمة العربية في الخرطوم في وقت أدت اتفاقية السلام لأن يتبوأ وزارة الخارجية فيه مواطن جنوبي إفريقي، بعدما كان الجنوبيون يتهمون النخب الشمالية الحاكمة بإسناد وزارات هامشية لهم في السلطة.
ومن غير تدبير مسبق فقد أهدى العرب السودان جائزة كبرى بتولي أكول لرئاسة مجلس وزراء الخارجية ما يسهم في تحقيق أحد أهم بنود ديباجة اتفاقية السلام التي تنص على ضرورة أن يعمل طرفا الاتفاقية على جعل وحدة البلاد جاذبة على خلفية أن الاتفاقية أقرت لمواطني الجنوب بممارسة حق تقرير المصير بعد فترة انتقالية تنتهي عام 2011 بما في ذلك حق الانفصال في دولة مستقلة.
وبقليل من الاهتمام العربي بالتحدي المصيري الذي يواجه السودان امتحانا في وحدته، فإن إسهاما عربيا في مشروعات إعادة تعمير الجنوب وتمكين نحو خمسة ملايين من مواطنيه شردتهم الحرب من ديارهم، سيزيل الكثير مما علق بالنفوس من حواجز عنصرية قد تعطي السودان فرصة أن يحتفظ بوحدة شعبه وأرضه.
وفي الجلسة الافتتاحية لأعمال وزراء الخارجية العرب ألقى أكول كلمة بلاده بلغة عربية واضحة وسليمة لفتت انتباه الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى الذي نوه في كلمته بـ «بلاغة لغة ومضمون خطاب الوزير أكول».