لا احد يعرف بالضبط كيف اختزنت هذه القرية الصغيرة الهادئة الوديعة، وسواها من القرى والبلدات في شمال وشمال غرب بغداد، كل هذا العنف.. وهذه الدموية، وهي الجميلة الحالمة والجريحة في الوقت نفسه، قرية(سيد إبراهيم) التابعة لقضاء الفلوجة كانت تئن بصوت مبحوح تحت الضربات القاسية من قبل النظام السابق..

هل تحن إليه الآن، أم أن الصور التي تقدمها وسائل الإعلام تتضمن الكثير من المبالغة، أو الكثير من الصدق وليس كله..!؟ لكن الصورة على كل حال تبدلت بعدما مر «الفرهود» من هنا، تاركاً بصمات السلب والنهب الأليمة على شاشات التلفزة.

عندما دعيت الفتاة الجنوبية سيناء كاظم، ذات يوم مع اهلها لتناول الغداء من قبل عائلة صديقة في قرية سيد ابراهيم، كان كل شيء جديدا عليها، اذ لم تجد امامها مفردات قرى جنوب أو وسط العراق التي اعتادتها، كوفرة النخيل والأنهار والبساتين، بل وجدت شوارع مبلطة ومنازل امتدت لها يد الحضارة والكثير الكثير من المواشي «السمينة».

. ووجدت اختلاطا اكبر بين الرجال والنساء، وحرية أكثر وضوحا للمرأة.. وان كانت ظاهرية.. ترى ما الذي جعل هذه القرية أكثر حضارة من قرى أجدادها..؟ هل هو قربها من العاصمة..؟

ولكن شقيقها رد على تساؤلاتها بالقول: (الحكومة اهتمت دائما بالمنطقة الغربية التي انحدر صدام من إحدى قراها.. أكثر من اهتمامها بقرى مناطق الوسط والجنوب).

لم يقنعها هذا الجواب، إذ لم تجد آثار حكومة أو بصمات سلطة في تلك البقعة الجميلة.. وتأكدت أكثر حين روى لها معارف من قضاء الدجيل، في محافظة صلاح الدين (تكريت) ما فعلته السلطة بذلك القضاء بعد تعرض صدام لمحاولة اغتيال فيها..

وكانت النتيجة وقوع مدينة الدجيل ضمن القائمة «السوداء» واعتقال وإعدام عدد كبير من أبنائها، وحرق المزارع وقلع الأشجار وتدمير البساتين.

وإبقاء من تبقى على قيد الحياة تحت المراقبة، في المدارس والكليات والوظائف وشتى الأعمال.. وكأنهم (موصومون بالخيانة).. حينذاك أدركت أن (الحكومة) ليست بالضرورة مع محافظة أو بقعة معينة، بل مع الذين يجاهرون أكثر بالولاء.. لأن تكريت نفسها لم تسلم من البطش..

وحتى قرية (العوجة) التي قتل صدام الكثير من أبنائها.. ومن اقرب أقربائه.. أدركت أن هناك (عدالة) إلى حد كبير في القتل والترويع، موزعة على جميع ذرات تراب العراق..

بعد مدة.. عادت إلى القرية نفسها، زوجة لابن العائلة الصديقة.. عادت لتعيش تحديا حقيقيا معه، حين ألقت بنفسها في لجة واقع جديد ومختلف، ولكن أكثر ما يلفت الانتباه فيه هو الطابع الديني السائد، بلا تنظيرات ولا تفقه ولا تعقيد.. طابع ديني (على السليقة) كما يقولون، يكشف عن الكثير من العادات التي لم تكن تتوقعها.. (ولم يكن هناك شيء اسمه المثلث السني الذي تم اختراعه حديثا)..

وجدت سكان القرية ينذرون النذور للإمام علي، وبعضهم يعتقدون انه هو الشافي من أمراض أو حالات ميئوس منها.. رغم أنهم من (أهل السنة).. إنهم أناس بسطاء وطيبون إلى درجة السذاجة أحياناً، وكرماء إلى درجة التبذير غالبا.. تقودهم قناعاتهم الخاصة في بعض الحالات، ونتيجة عنادهم، إلى التضحية بالنفس والولد والمال لمجرد إثبات رأي، حتى وان كان خاطئا..!

قصف ورعب

ما إن صار التهديد بضرب العراق اقرب إلى الحقيقة، حتى حطت عشرات العوائل البغدادية رحالها في القرية لتجنب خطر البقاء في العاصمة خلال القصف واتخاذها ساحة للقتال ـ كما حدث فعلا ـ.. بعض العوائل كانت قد استعدت للأيام العصيبة، فجلبت معها مواد غذائية وامتعة بسيطة تمكنها من العيش في القرية باستقلالية.

والاعتماد على نفسها ـ بمساعدة الأهالي طبعا -.. أما العوائل الأخرى فقد هربت في ظروف أصعب بعد بدء القصف وسقوط أطراف بغداد، وصولا إلى مركزها.. فقد وصل أفرادها حفاة من دون أمتعة.. واستقبلهم أهالي القرية ووزعوا العوائل فيما بينهم.

ولم يدعوا القادمين الجدد يشعرون بأي شيء من التقصير تجاههم، حيث اختاروا لهم ملابس مناسبة، وأخذت النساء تطهو الطعام بكميات كبيرة، وتخبز الأرغفة الحارة لثلاث وجبات وتضع الأغطية والوسائد في خدمة الضيوف..

الآن تتساءل.. هل يمكن أن يأتي يوم تفكر فيه هذه القرية أو سواها بقتل أو إيذاء من كانوا ضيوفا مكرمين لديها..؟ أو يقوم أولئك الضيوف بقتل او ايذاء مستضيفيهم ؟ لا يمكن تصور او تخيل ذلك..

وسقطت الأقنعة

بعد توقف القتال وانتشار الأميركيين في بغداد والمحافظات وهروب المسؤولين الكبار واختفاء الأمن والمخابرات غادرت العائلات النازحة القرية عائدة إلى منازلها، وعادت القرية لتمارس حياتها الطبيعية، ولم يختلف الأمر كثيرا لدى النساء اللواتي اعتدن على النهوض مبكرا وحلب الأبقار والعمل في المزارع ورعاية الزوج والأطفال واستقبال الضيوف.

وإعداد الطعام بكميات كبيرة تناسب العائلات الريفية الكبيرة العدد دائما، أما العائدون من القتال من العسكريين، والموظفين الذين لم تباشر دوائرهم عملها بعد، والطلبة الذين لم يستدعهم احد لمواصلة الدوام، فقد كان ما يجري بالنسبة لهم أشبه بحلم ينتظرون أن يفيقوا منه فجأة ليعود الوضع إلى طبيعته.

زمن الحرية

صحت القرية بعد يومين من دخول الأميركيين واحتلال بغداد على حادث مهم في تاريخها، تمثل بإباحة المخازن الكبرى في مناطق الدباش وابي غريب والحصوة وغيرها للناس،..

وقيل إن جنوداً أميركيين كسروا أقفالها (حسب ادعاء أبناء المنطقة الذين شهدوا الحدث وعايشوه)، ثم قاموا بدعوة الناس لدخول المخازن واخذ ما يودون أخذه لأن هذه الأشياء تمثل حصتهم من النفط التي حبسها عنهم صدام حسين طويلا..

صدّق البعض هذه الحكاية، ولم يهتم البعض الآخر بتصديقها أو تكذيبها أمام إغراءات البضائع التي كانت مخصصة لتجهيز الأسواق المركزية وبضائع أخرى مستوردة من قبل شركات إنتاجية وصناعية كالسيارات والأجهزة الكهربائية والمواد الإنشائية وما شابه..

وهكذا انقض الناس على المخازن غير عابئين حتى بسقوط بعضهم برصاص الأميركيين أنفسهم، أو نتيجة لصدامات قاتلة (السلابة) بعضهم البعض..

وصف رجل من أبناء القرية ما شاهده بمرارة قائلا:-

- ذهبت لأبحث عن شقيقي الأصغر بعدما علمت بما حدث وقيل لي إن البعض ذهبوا ضحية الجشع ونقص الإيمان والمبادئ فاضطررت إلى اللحاق به.. هناك، رأيت ما لم أره في حياتي، لاحظت نظرات جديدة في عيون الناس المنقضين على المخازن، كانت مليئة بنوع من الفرح والتشفي وكأنهم عالجوا بالنهب حرمانا دام سنوات طويلة من ابسط وسائل الراحة والسعادة في الحياة..

وحين يعترضون على ما يحدث يرد عليهم احد الأثرياء الجدد بصيغة العالم بكل شيء: «لنستمتع بحصتنا التي حرمنا منها صدام طويلا ولنعش حياتنا»..

وقال طبيب شاب من القرية، اكتفى بالتفرج والحسرة على ما يحدث ومارس دوره خلال تلك الفترة بالالتحاق بالمستشفى الذي يعمل فيه رغم خطورة الطرق الخارجية، ومساعدة كل من يمكنه مساعدته دون مقابل لمجرد تجنب رؤية أشقائه وأبناء عمومته ـ حتى كبار السن منهم ـ وهم يقودون سيارات حديثة دون أرقام ويسحبون وراءها ما صار مقياسا للمفاضلة بينهم ولتقييم مدى شطارتهم:

- استقبلت حالات إصابات باطلاقات نارية أو حوادث سير وغير ذلك، كان «الفرهود».. أي السلب والنهب وراءها ورغم ذلك لم تصبح عبرة لهم.. أثار أمر هؤلاء الناس الاستغراب، فقد كانوا سعداء تماما بممارسة الدور المشين لمجرد إشباع رغبات مكبوتة كقيادة سيارة حديثة جدا أو تناول أغذية معلبة أو جلب أثاث وأجهزة كهربائية لمنازلهم.. لم يعد احد منهم يتذكر وقت الصلاة أو يستمع إلى النصيحة..

وبعد أن تعددت الإصابات والحوادث الغريبة في المنطقة أشيع بين النساء تفسير مفاده إن الله ينتقم ممن سلبوا ونهبوا باختطاف أحبتهم أو تعرضهم إلى حوادث مميتة أو خطرة، ومع ذلك لم يتوقف سوى عدد بسيط منهم عن ممارسة «حريتهم» كما زعموا، فقد ترجموا الحرية التي كانوا يحلمون بها في زمن صدام، والتي جلبها لهم الأميركيون كما تراءى للبعض باستباحة كل شيء.

صورة أخرى

وتمر الأيام وتخفت حدة «الفرهود» وتبدأ عملية المتاجرة بالبضائع بعدما حصل أبناء القرية وللمرة الأولى على سيارات حديثة متشابهة من المخزن نفسه وأسلحة متنوعة غصت بها المنازل وراح ضحيتها أطفال وأبرياء نتيجة إهمال الأهل واستخدام الرصاص المتوفر بكميات كبيرة للاحتفال بأبسط المناسبات وأهمها لمجرد إطلاق الرصاص..

يقول المهندس الزراعي في القرية احمد سليمان: أحدثت هذه العملية تخلخلا اجتماعيا خطيراً وأولئك الذين ابتعدوا عن الدين و القيم و المبادئ أثناء « الفرهود» أصبحت لديهم نمطيتهم الخاصة في الحياة لان المال الحرام يجر إلى الحرام، وهكذا تشكلت «مافيات» لديها إمكانيات مالية وأسلحة.

لاستخدامها ضد كل من يعترض طريقها بينما هناك شريحة أخرى برزت في القرية تختلف تماما عن الشريحة الأولى وتتكون من أفراد منعهم إيمانهم بدينهم وتقاليد مجتمعهم وخطوطه العريضة الواضحة من إدخال المال الحرام إلى منازلهم، ترافق ذلك كله نقمة على المحتلين كونهم من غير المسلمين .

وهدفهم قبل كل شيء تخريب الدين الإسلامي وإشاعة الفساد في البلد مستشهدين بما فعله «الفرهود بدأت هذه الشريحة بإيضاح الصورة للآخرين الذين يتهمونهم بموالاة النظام السابق، فهم يرفضون الربط بين الولاء للنظام السابق ورفض الاحتلال والبحث الجاد عن أمل حقيقي يسير العراقيون وراءه، يساندهم في ذلك رجال الدين الذين اعتبروا الأميركان كفاراً مهماً حاول الآخرون تجميل صورتهم بإسقاط نظام ظالم ومنح الحرية للعراقيين .