ثلاث سنوات من الحرب خلفت وراءها العديد من الآلام والجراح، بعد هذه السنوات القليلة في عمر الزمن المثقلة بالأحداث كيف يرى العراقيون الحرب ونتائجها، وهل حطت في ديارهم نسائم الحرية التي وعدوا بها، ام ان الحقول اشتكت العطش واتاها الجراد؟

يقول سائق سيارة الأجرة مهدي عبد صالح : كنت استخدم سيارة أجرة عتيقة في أيام حكم صدام، أما الآن فلدي سيارة من طراز حديث نسبيا، وان كانت ذات منشأ كوري..

ولكن.. ما جدوى هذه السيارة المريحة، والطرق كلها شبه مغلقة، وحتى الأزقة والشوارع الفرعية، ناهيك عن الارتفاع الجهنمي في أسعار الوقود والانتظار ساعات طويلة للتزود به، والعمل بين يوم وآخر، وانغلاق المدينة كليا منذ ساعات الغروب.

ويضيف : الفرق بين النظام السابق والنظام الحالي مثل الفرق بين سيارتي العتيقة والسيارة الجديدة، فالعتيقة رديئة ولكنني كنت استطيع استخدامها، والجديدة جديدة، ولكن الاستفادة منها محدودة جدا ومحفوفة بالمتاعب والمخاطر.

ويتذكر عدنان زكي السلامي «عامل» الأيام الأولى للحرب بقوله: لم نكن نحب صدام حسين ونظام حكمه، ولكننا كنا نفرح عندما نسمع بوجود مقاومة هنا وهناك..

كانت مشاعرنا متضاربة، وينتابنا الحزن على اولئك الذين يقاتلون، فهم لو تمكنوا من دحر الغزاة لانتصر صدام، وهذا مؤسف، ولو انتصر الغزاة، فذلك وصمة عار للعسكري المقاتل.. الا ان الجيش لم يقاتل، لانه لم يرد ان يخرج صدام منتصرا، وفي نفس الوقت يقتله الحزن لانه يسمح للاجنبي بالدخول.

واضاف لم تكن هناك معارك حقيقية، لان الجيش لم تكن لديه استراتيجية قتالية، ولم يكن لديه الاندفاع لذلك. لو كان الجيش أو الشعب محبا لنظام الحكم ومتمسكا به، لما استطاعت قوة الاحتلال من دخول مدينة صغيرة.. قد تستطيع تدميرها بالآلة العسكرية، ولكن القدم المحتلة لن تطأ الأرض، ولدينا أمثلة كثيرة على ذلك، وعلى ضعف قدرة الأميركيان في القتال الأرضي.

ويقول: الآن.. جاءت «الحرية»، وهذه الكلمة يمكن تفسيرها تاريخيا، وهي ان كل الغزاة كانوا «محررين»، وحتى كلمة «الاستعمار» بالمعنى اللغوي تعني إعمار الأرض، وبما يوازي مصطلح «استصلاح».

وفي رأي الموظف جمال علي: ان الرواتب تحسنت، وقد فرحنا بذلك كثيرا في البداية، اشترينا العديد من الأدوات المنزلية والكهربائية التي كنا نفتقدها أو لا نستطيع شراءها، ولكن، مع مرور الأيام، اكتشفنا ان هذه الأجهزة لا قيمة لها.. لأنها لا تعمل من دون كهرباء..!، ثم أتى الغلاء ليأكل الأخضر واليابس.

ويضيف : ما جدوى بضعة آلاف من الدنانير يتسلمها شخص، وفي مقابلها يفقد أعزاء لديه يقتلون على مدار الساعة، بلا ذنب، وبلا رحمة.. وليس هذا فحسب، بل: هل تساءلت الحكومة مع نفسها : كم من اللصوص تم القبض عليهم..؟

لم نسمع في « العهد الجديد « ان هناك لصوصا في السجون والمعتقلات، بل ان المجرمين الذين أطلق سراحهم صدام حسين في الأشهر الأخيرة من حكمه أصبحوا الان « مناضلين «، والذي يعترض على ذلك، تكفيه رصاصة في فمه.

ويقول المحامي طالب اسعد: لقد رسم الأميركيون وحلفاؤهم أحلاماً وردية في أذهان العديد من العراقيين، وهذه الأحلام مثلهم.. الأميركي قوي عندما يكون في دبابة أو طائرة أو يقذف الصواريخ من بعيد، ولكنه ضعيف وجبان عندما تطأ قدمه الأرض.. والأمر نفسه ينطبق على الـ «غريم زون (المنطقة الخضراء).

«سجناء المنطقة الخضراء يرون الواقع الآن ورديا، ولكنهم عندما يخرجون إلى الشارع تتساقط قلوبهم بين أقدامهم. وهنا لابد من الإشارة إلى ان من يدعي الحرية والديمقراطية عليه ان يحرر نفسه أولاً». ويقول: في الأيام الأولى بعد الحرب أطلق الأميركيون الحرية للناس، وخاصة حرية نهب ممتلكات الدولة.

وسمحوا بالتظاهرات، وإصدار مئات الصحف، وفجأة اكتشف العراقيون ان تظاهراتهم هي للتصوير أمام الكاميرات التلفزيونية فقط، وان الصحف لا تجد من يشتريها، وحتى لو نشرت انتقادات للحكومة أو للاحتلال فإن ما تنشره مجرد كلام لا يؤخذ به..

ومع مرور الأيام أصبح النقد جريمة وفق قانون مكافحة الإرهاب.. ويتم تنفيذ «القصاص» فورا.. اما الضابط المتقاعد عبد السلام الطائي، فيرى الأمور من زاوية أخرى ويقول:

شعبنا عظيم، ولا يوجد له مثيل في العالم. لا يمكن لأي شعب ان يمارس حياته الاعتيادية «نسبيا» ثلاث سنوات من دون قانون أو حكومة أو توفر ابسط مستلزمات الأمن، ولولا أخلاقيات هذا الشعب لكانت الأمور كما يشتهي المحتل. الآن يحمي الجار جاره، ويساعد القوي الضعيف، لدينا نسيج اجتماعي قل مثيله في العالم.

ويضيف : شعبنا بسيط وقنوع.. وأي حكومة «عاقلة» لو وفرت له ضروريات العيش لكانت حظيت بتعاطفه.. هذا البلد الغني يريد ناسه الطيبون توفير الكهرباء والماء والوقود والطرق السالكة.

وهذه بدورها تنعش الاقتصاد وتوفر فرص العمل، وتوفر الأمن والأمان أيضاً.. لقد أسقط الشعب صدام حسين لأنه أثقل كاهله بالأزمات.. ولكن رحم الله الجواهري عندما قال: «وكانوا كالزروع شكت محولا

فلما استمطرت مطرت جرادا»

وقد سبقه في ذلك المتنبي العظيم عندما قال :

« اظمتني الدنيا فلما جئتها

مستسقيا مطرت عليّ مصائبا».

بغداد - عراق أحمد :