لئلا يعيد التاريخ نفسه على أبواب الذكرى الثلاثين لبداية الحرب الأهلية اللبنانية في 13 أبريل 1975، انطلقت في بيروت حملة وطنية وأهلية عنوانها »لا للعنف، كلنا للوطن ضد الحرب«، في ظل أجواء توتر يعيشها لبنان خشية تجدد العنف على خلفية الاصطفافات الحادة التي تشهدها البلاد منذ مدة.
وعشية الذكرى المشؤومة للحرب التي انطلقت شرارتها بعد تعرض بوسطة عين الرمانة لهجوم مسلح سقط فيه 27 قتيلاً و19 جريحاً من ركابه الفلسطينيين، تداعى مثقفو لبنان بكل هيئاته وأكاديميه وإعلامييه وكتابه وفنانيه لإطلاق الصوت عالياً رفضاً للعنف و»كي لا يضيع لبنان مرة ثانية،
ولا تتكرر الحرب« على حد قول منسق الحملة الكاتب والمثقف نصري الصايغ، الذي أكد »أن هدف الحملة هو خلق ثقافة سلام بديلة عن ثقافة العنف، أي تأسيس ثقافة من نوع آخر قوامها المجتمع المدني بكل مؤسساته،
ويعبر فيها كل فرد عن أرائه المناهضة للحرب كل على طريقته وبأسلوبه الفني والثقافي والتربوي والرياضي، تعبيراً عن رغبتنا الجامعة كلبنانيين في العيش بسلام وتعميق وحدتنا الوطنية وإزالة الخوف والشحن من النفوس، وكل العوامل التي كانت متوافرة قبيل عام 1975«.
وأوضح الصايغ أن اللبنانيين يشعرون بقلق مصيري من تحويل لبنان ساحة صراع مجدداً، بعدما اسقطت »متاريس« الكلام الطائفي على الجغرافيا اللبنانية الهشة المؤهلة لاحتضان هذا الإنقسام،
مشيراً إلى أن الخطاب المتوتر مع اقتراب ذكرى الحرب هو ما دفع مجموعة من الكتاب والإعلاميين والناشطين في هيئات المجتمع المدني إلى إطلاق الحملة التي ستبدأ نشاطاتها العملية من أحد فنادق العاصمة بتوزيع ورود بيض على الناس، وتقديم شهادات حية من أشخاص عايشوا الحرب وفقدوا خلالها أعزاء وأقرباء.
وأضاف »أن الحملة تتضمن نشاطات ثقافية وفنية متعددة تبدأ في مارس الجاري، وتنتهي بعد الذكرى في معرض تشكيلي ينشد فيه الفنانون السلام من خلال لوحات وملصقات لفنانين كبار، إضافة إلى معرض للصور الفوتوغرافية عن حرب لبنان،
ودعوة الإعلاميين إلى لقاء للتوقيع على ميثاق شرف يتعهدون بموجبه خفض منسوب العنف في لغتهم وفي معالجة القضايا المطروحة في المجتمع، والتأسيس لاحقاً لذاكرة علمية للحرب الأهلية يشارك فيها محامون وقضاة متقاعدون تجري على أساسها محاكمات رمزية للضالعين في الحرب، آملاً في أن تؤدي الحملة إلى تخفيف الخوف وبناء إرث للأجيال الحرة المستقلة المؤمنة بالسلم الأهلي والمتطلعة إلى دولة العدالة والقانون«.
الكاتب والإعلامي سركيس أبو زيد قال »إن الخوف من تجدد الحرب التي لا تزال في ذاكرة اللبنانيين هو الذي دفعنا إلى التنبيه من خلال هذه الحملة إلى خطورة الأوضاع التي يمر بها البلد والتي إذا ما استمرت على نفس الوتيرة ستؤدي حتما إلى تكرار الحرب«.
ولفت إلى أن الكلفة التي دفعها اللبنانيون طيلة عشرين عاما من الاقتتال كانت باهظة جدا وقد ذهب ضحيتها نحو 200000 قتيل و300000 جريح ومعوق. وأوضح »أن أحدا من اللبنانيين لا يريد العودة إلى الماضي ودفع الكلفة نفسها دون الوصول إلى نتيجة«،
مؤكدا »أن الحملة ليست حزبا أو تنظيما بل هي عبارة عن مبادرة أهلية أطلقها اللبنانيون بدافع حماية بلدهم وعدم السماح لأحد العبث به مجددا، وتعبيرا عن رفض كل قوى المجتمع لمنطق العنف وللتأكيد على أن الحرب إذا ما حضرت فهي ستكون مدمرة ولن يفوز بها أحد وسترسو على عجز في تسجيل الأرباح،
مطالبين القوى السياسية بميثاق تحرم فيه اللجوء إلى عنف اللغة والخطاب والمواقف والتحريض وعنف الشارع عبر إشعال الساحات بالمهرجانات والحشود المضادة، ودعوة مؤسسات المجتمع المدني إلى تعميم ثقافة اللاعنف وتبني مشاريع عمل ثقافية وفنية ورياضية تكرس الحوار والتنوع وقبول الآخر«.
فنانون لبنانيون كبار يشاركون في هذا الحدث ويستعدون لتقديم لوحات وأعمال فنية تتلاءم مع الذكرى الأليمة وتعكس طموح اللبنانيين ورغبتهم في استبعاد تجدد الحرب.
ويعتبر الفنان التشكيلي عادل قديح »أن مشاركة الفنانين تأتي من منطلق أن الفنان محب للحياة متنبئ بجمالاتها وهذا بطبيعته مناقض لفعل الحروب ونادرا ما نجد فنانا عبر التاريخ شارك في إذكاء حرب، فهو إما ينتصر للقضايا الوطنية ويندفع نحو الحرية أكثر من غيره وقيمها فالإبداع مساكن للحرية«،
لافتا إلى »أن الفنان بطبعه رافض للحرب وكل التعبيرات التشكيلية توازي فعل السلام اليومي، وهو بإنجازاته الواقعية والرمزية والسوريالية والتجريدية مما يؤكد على سلامين: سلام ذاتي وسلام اجتماعي«.
بيروت ـــ ثناء عطوي
