رغم مرور ثلاثة أعوام على الصدام العلني بشأن غزو العراق الذي قادته الولايات المتحدة، لا يزال صناع السياسة الأوروبيون والأميركيون منهمكين في مهمة شاقة لرأب الصدع في علاقاتهم المضطربة، ولكن يبدوا أن الظرف بات مهيأ بعد كبح »الوحوش الكاسرة« الأميركية على حد وصف أحد المحللين.

وأسفرت الجهود المضنية التي يبذلها الجانبان من أجل استعادة الثقة في العلاقات عبر الأطلسي عن بعض النجاحات المهمة.ففي مفارقة كبيرة عن مشاداتهما الكلامية بشأن الحرب على العراق، التي عارضتها فرنسا وألمانيا وبلجيكا والعديد من الدول الأوروبية الأخرى، يعمل المسؤولون على جانبي الأطلسي حالياً جنباً إلى جنب في نزع فتيل التوتر في منطقة الشرق الأوسط وكبح طموحات إيران النووية.

ونجحت المستشارة الألمانية الجديدة أنجيلا ميركل في تحسين العلاقات مع إدارة الرئيس بوش لتنهي بذلك سنوات من التوتر في العلاقة بين برلين وواشنطن.لكن في الوقت الذي تسعى فيه الحكومات على جانبي الأطلسي لتناسي خلافات الماضي، يحذر المسؤولون والمحللون في بروكسل من أن رجل الشارع في أوروبا لا يزال متوجساً إزاء السياسة الخارجية الأميركية.

ولا تزال استطلاعات الرأي تكشف عن استياء الأوروبيين من لهجة واشنطن في إطار »الحرب على الإرهاب«، والشكوك بشأن الاستراتيجية الأميركية لما بعد الحرب على العراق وتزايد الانتقادات، في ما يتعلق بالتعامل مع المعتقلين في معتقل خليج غوانتانامو في كوبا.

وأثرت أيضاً مزاعم عن أن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي.آي.إيه) تدير سجونا سرية في أوروبا بالسلب على صورة واشنطن في أوروبا.ويقول فريزر كاميرون من مركز السياسة الأوروبية وهي منظمة مستقلة مقرها بروكسل إن »الصور السلبية لأميركا مستمرة في أوروبا«.

ويضيف كاميرون انه مع تزايد عدم الثقة الشعبية تجاه السياسة الخارجية الأميركية فإنه ينبغي للساسة الأوروبيين أن يكونوا حذرين بالنسبة للحد الذي سيذهبون إليه في إعادة بناء جسور العلاقات مع الولايات المتحدة.

ويعترف الدبلوماسيون الأوروبيون بوجود فجوة واسعة بين خطوات صناع السياسة الذين يريدون تعاونا وثيقا مع الولايات المتحدة ونظرة الشعوب الأوروبية للولايات المتحدة.

ويقول دبلوماسي أوروبي كبير بشيء من الحذر »إن شكوك المواطنين الواسعة تجاه الولايات المتحدة والتي تسبب فيها مسلسل العراق مازالت قائمة وتزداد اشتعالا بفعل ما يعتبره كثيرون فشلاً للسياسة الأميركية في العراق«.

ويضيف الدبلوماسي الأوروبي ان الاتهامات بأن العديد من الحكومات الأوروبية تعاونت مع وكالة الاستخبارات الأميركية في السماح بوجود سجون أميركية على أراضيها تلقي الضوء على التناقض بين ما ترغب الحكومات الأوروبية قبوله في مساعيها لتحسين العلاقات مع واشنطن واستمرار مشاعر العداء بين شعوبها تجاه إدارة بوش.

لكن بالرغم من قلق الشعوب إلا أن تغيرا في أسلوب وجوهر الحوار عبر الأطلسي يدفع الجانبين إلى التقارب.ويقول كاميرون إنه أمكن أخير كبح جماح »الوحوش الكاسرة« في إدارة الرئيس بوش مثل رامسفيلد ونائب الرئيس ديك تشيني وغيره من الصقور.

وأشار دبلوماسيون في بروكسل إلى أنه يبدو أن الإدارة الأميركية تتخلى عن تركيزها السابق على العمل الأحادي وتبدي استعدادا جديدا للتشاور مع الحلفاء وتجربة العمل الدبلوماسي من خلال الأمم المتحدة.

وفي تناقض كبير بين توجهها قبل غزو العراق وبعده أبدت الولايات المتحدة استعدادها لإظهار الصبر في تعاملاتها مع إيران بدعم جهود الاتحاد الأوروبي الدبلوماسية بخصوص الملف النووي.

(د ب أ)