وسط استمرار الخلافات بين الكتل السياسية على تشكيل الحكومة العراقية يتساءل الكثيرون عما إذا كان العراقيون حصلوا على الديمقراطية بعد ان مارسوا في عام واحد ثلاث »عمليات ديمقراطية« هي انتخابات الجمعية الوطنية في 30 يناير 2005، والاستفتاء على الدستور في 15 نوفمبر، وانتخاب مجلس النواب في 15 ديسمبر من العام نفسه.
كل الوقائع تشير إلى انهم مارسوا »الديمقراطية« بشكل لم يكن في مقدورهم ممارسته طوال عهود مضت، لكنهم مع ذلك غير سعداء لأنهم اكتشفوا ان الديمقراطية بحاجة إلى ديمقراطيين وتلك هي المشكلة. وقالت البرلمانية، والناشطة في حقوق الإنسان صفية السهيل »ان العملية السياسية في العراق تحتاج إلى »ديمقراطيين حقيقيين«، للخروج من الأزمات التي تمر بها البلاد«، فالعراق لا يستطيع بناء دولة المؤسسات بدون وجود ديمقراطيين حقيقيين يعون بشكل كامل المشاكل التي تواجههم«.
أضافت ان »على جميع من يؤمنون بالديمقراطية حقا اعتماد أسلوب الحوار وعدم التشنج وتقبل الآخر، إذ ان ذلك أساس العمل، إضافة إلى عدم التكلم بلهجة الأكثرية والأقلية لان هذا الأمر مرفوض«.وقال المحامي محمد صالح الأسود »لقد أرسى الأميركيون الذين احتلوا العراق منذ 2003 نظاما ديمقراطيا شبيها بالنظم الغربية، لكن الاحتلال جلب للشعب العراقي عدم الاستقرار وعدم توفر الأمن، مما افقد الديمقراطية الكثير من شروطها«.
ورأى الأستاذ الجامعي الدكتور هشام طه انه »باستثناء الأكراد الذين يشاركون الآن في الحكم على أساس قومي فان بقية الزعماء طائفيون مهما اختلفت الأسماء والاتجاهات. وعلى العموم فان رجال الدين من الطائفتين الكبيرتين »الشيعة والسنة« هم الذين يتحكمون في البلاد ومصيرها«. وشاركه الرأي حسين حافظ (موظف) حيث قال ان »رجال الدين يقولون ان العراق ليس أول دولة يزحف فيها الإسلاميون إلى الحكم.
ففي تركيا يحكم حزب إسلامي بأسلوب ديمقراطي، وفي مصر خطا الإخوان المسلمون قبل أشهر خطوة كبيرة نحو الحكم عندما حققوا نتائج مثيرة في انتخابات مجلس الشعب، وفي فلسطين فاجأت حركة المقاومة الإسلامية »حماس« العالم بفوز باهر في انتخابات البرلمان الفلسطيني تمهيدا لتشكيل حكومة إسلامية، لكن رغم ان هذا الفوز تم بطريقة ديمقراطية بشهادة الجميع إلا أن واشنطن لم تقبل به«.
وقال الناشط في مجال حقوق الإنسان طيف صالح السعدون »في العراق لا يمكن لطائفة واحدة مهما حققت من نتائج في الانتخابات ان تسيطر على الحكم لوحدها. فالشيعة الذين حصلوا على اكبر عدد من المقاعد في الجمعية الوطنية السابقة وفي مجلس النواب الجديد لا يمكنهم، حتى لو أرادوا، ان يحكموا العراق لوحدهم بدون الأكراد والعرب السنة،
كما انه ليس بإمكان الأكراد أو العرب السنة ان يحكموا العراق لوحدهم. في الأنظمة الديمقراطية الأخرى قد يحكم حزب واحد وتشكل الأحزاب الأخرى معارضة برلمانية، ولكن في وضع العراق لا يمكن ان تكون الطائفة او القومية في وضع المعارضة بينما تتولى الحكم قومية أو طائفة معينة«.
ويعلل صاحب محلات الغسق في السيدية صالح عبد العزاوي ذلك بـ » ان الناخب العراقي يتأثر بهويته الطائفية او القومية وبتوجيهات قادتها لسببين، الأول هو البحث عن حماية للناخب من الآخرين في ظل أعمال العنف والثاني هو انخفاض الوعي لدى نسبة كبيرة من الناس،
يضاف إلى ذلك ان معظم الناخبين هم من الطبقة الفقيرة، وعادة ما تتأثر الطبقة الفقيرة غير المتعلمة بآراء وتوجيهات رجال الدين، وهو ما حدث في العراق«. ولخص بائع كتب شهير في شارع المتنبي وسط العاصمة يدعى حياوي الوضع قائلا: »أنا أتحدى أي شخص يستطيع أن يشرح لي ما حدث وما يحدث الآن وما سيحدث في المستقبل«.
بغداد ـ البيان