ألقى أبو داود وهو يغمض عينيه قليلاً في مواجهة شمس الصباح الساطعة بشبكته في المياه البنية لنهر دجلة، فمنذ كان طفلاً وهو يصطاد في نهر بغداد العظيم سمك الشبوط الذي يستخدم في إعداد المسجوف الوجبة الرئيسية في المطبخ العراقي منذ قرون. لكن هذه الأيام كثيراً ما تخرج شبكة أبو داود صيداً مشؤوماً.. جثثاً بشرية لما يبدو انهم ضحايا العنف الطائفي الذي يدمر البلاد ويدفعها نحو حرب أهلية.

وقال الصياد الذي يبلغ من العمر 61 عاماً وهو يبحر بقاربه بهدوء مع التيار بعد الفجر »في بعض الأيام أشاهد ما يصل إلى خمس جثث. نسحبها إلى ضفة النهر ونستدعي الشرطة«.وكثيراً ما رأى ابو داود من قبل جثثا تطفو في نهر دجلة الذي يتدفق في قلب بغداد المدينة التي يسكنها سبعة ملايين. لكن الفارق في الشهور الأخيرة هو الطريقة التي يلقون بها حتفهم.

يقول ابو داود »نرى اليوم جثثا معصوبة الأعين وأخرى مكبلة الأيدي. وقبل يوم عثرت على جثة رجل في الثلاثينات من عمره مصابا بطلقات نارية في رأسه وظهره«.ودائما ما كانت حالات الانتحار والقتل والحوادث العادية تؤدي إلى ظهور جثث في النهر.. ليس فقط دجلة وإنما الفرات أيضا الذي يتدفق عبر العراق نحو الخليج في الجنوب.

ويقول الصيادون انه في الشهور الأخيرة ارتفع عدد ضحايا التعذيب والقتل الذي يشبه الإعدام كدليل على وجود فرق الإعدام التي تنشط حاليا في العراق. ويحاول الزعماء العراقيون الذين يناضلون من اجل تشكيل حكومة وحدة وطنية التقليل من حجم العنف منذ اندلاع سفك الدماء الطائفي في الأسبوعين الماضيين.

لكن روايات الصيادين وغيرها من القرائن تزيد من التكهنات بأن عدد القتلى اكبر بكثير مما يسجل رسمياً في دولة تتسم الإحصاءات فيها بالعشوائية. ويتذكر أبو شاكر ـــ وهو الآخر احد قدامى الصيادين في نهر دجلة ـــ يوم كان يجدف بقاربه للعمل في ضباب الصباح الباكر ليصطدم بجثة منتفخة عائمة. »

هناك الكثير من الجثث خاصة عندما يتدهور الأمن. وإلقاؤها في النهر هو الوسيلة السهلة جدا للتخلص منها. فلن يراها احد. ولن يسأل احد من فعل هذا«، ويتندر أبو شاكر وأبو داود بذكريات الأيام الخوالي عندما كان هناك الكثير من السمك في نهر دجلة والقليل من الجثث.

أما هذه الأيام فقد يحتاج الأمر إلى ساعات عدة لصيد سمكة شبوط واحد. فقد حولت الكيماويات وغيرها من الملوثات النهر إلى ما يشبه مصارف المجاري. ومعظم أسماك الشبوط الصالحة للأكل تربي الآن في المزارع السمكية.وتبقى عشرات المطاعم التي كانت تقدم المسجوف للمتنزهين على ضفتي النهر خالية الآن بسبب العنف.

(رويترز)