قبل تكليفه رسميا بتشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة كان اسماعيل هنية مرشح حركة «حماس» قد بدأ فعليا مشاورات واتصالات في كل الاتجاهات لتكوين أوسع حكومة ممكنة وذلك بضم أكبر عدد ممكن من ممثلي الفصائل اليها، لكنه واجه ـ كما كان متوقعا ـ عزوفا من قبل حركة «فتح» التي ترى في نفسها مفتاح النجاح والفشل لحكومة خصمها السياسي الأكبر.
وتشير معلومات مقربة من «حماس» الى ان المعالم النهائية للحكومة تبلورت لدى قيادة الحركة لكن «حماس» ستظل تنتظر « فتح» حتى النهاية، آملة من وراء مشاركتها الحصول على اسناد شرعي في مواجهة حصار غربي يلوح في الأفق منذ اليوم الأول لنجاح الحركة بغالبية مقاعد المجلس التشريعي.
ويرصد المتابعون للشأن الفلسطيني مجموعة من السيناريوهات والتحديات التي ستواجهها الحركة وهي تنقل أقدامها من ساحات المقاومة الى عتبات السلطة. وتتراوح هذه السيناريوهات من نجاح الحركة في ادارة الملفات الداخلية والخارجية المتشابكة والمعقدة لتشكل نموذجا اسلاميا جديدا يمتد الى باقي دول الجوار العربي والاسلامي، الى تعرض الحركة في الحكم الى حصار خارجي شديد يترافق مع مشكلات داخلية متفجرة تقود الى فشل التجربة بسرعة قياسية.
وفيما توقع البعض حدوث أزمة بين البرنامجين، برنامج الرئيس الفتحاوي القائم على اساس «دولتين لشعبين» و«المفاوضات وسيلة وحيدة» و«احترام والعمل على تنفيذ الالتزامات السابقة للسلطة»، وبرنامج حركة المقاومة الاسلامية القائم على أن «ارض فلسطين وقف اسلامي لا يجوز التنازل عن شبر منها» و«المقاومة طريق وحيد»، فان آخرين يتوقعون ان يلتقي الجانبان في الوسط.
يقول الدكتور عزمي الشعيبي النائب السابق وأحد أبرز الخبراء في النظام الأساسي «الدستور» الفلسطيني: «لا خيار امام الرئيس و«حماس» سوى الالتقاء في الوسط». وأضاف: «الرئيس مجبر على تكليف «حماس» تشكيل الحكومة بصفتها صاحبة الأغلبية البرلمانية، و«حماس» مجبرة على قبول برنامج الرئيس، لذا لا مفر لكليهما من التعاون لتجنب تصادم لا يخدم مصلحة أي منهما».
ويشكل تبني الحكومة لبرنامج الرئيس المدخل الوحيد أمام السلطة لمواجهة حصار اسرائيلي وغربي متوقع. والنقطة الوسط التي يمكن للرئيس وحركة زحماسس الالتقاء فيها هي تلك المنطقة الرمادية التي توفر الحماية لكليهما.
ويشير الشعيبي الى ان «حماس» يمكنها قبول برنامج يقوم على الالتزام بالاتفاقات السابقة وإقرارها بأحقية منظمة التحرير في مواصلة الطريق التفاوضي مع إسرائيل. وفي الجانب الداخلي يتفق الطرفان بصورة كبيرة في مسألتي الأمن والإصلاح. وفي حال تجاوز العقبة الأولى، كما هو متوقعاً، ستواجه «حماس» مشكلتها الأكبر، وهو الصراع مع حركة «فتح» التي تجلس للمرة الأولى في تاريخها الطويل على مقاعد المعارضة.
وتشير معلومات متطابقة الى وجود تيار في «فتح» يريد مشاركة «حماس» حكومتها للحفاظ على مصالحه. لكن مقابل هذا التيار ثمة تيار أقوى داخل الحركة يدعو للعمل على وضع أكبر قدر ممكن من العقبات أمام «حماس» وافشال حكومتها في اسرع وقت ممكن وصولا الى انتخابات مبكرة تتمكن الحركة من امتطائها للعودة الى السلطة.
لكن الدكتور علي الجرباوي أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت في الضفة الغربية يقول ان «حماس» لن تسمح بأن تخرج من السلطة على هذا النحو. وقال: اذا أجبرت «فتح» حركة «حماس» على مغادرة السلطة، فان الأخيرة ستغادر، لكنها ستأخذ السلطة معها مشيرا الى ان هذا السيناريو سيؤدي الى انهيار السلطة بالكامل نظرا لما تملكه «حماس» من قوة عسكرية ومادية خاصة في قطاع غزة.
ويشير الى ان البديل لخيار المناكفة والصراع بين «فتح» و«حماس» هو خيار التوافق القائم على مشاركة الحركتين في الحكومة. ويرى ان هذا الخيار سيوفر انتقالا سلسا للسلطة، وتفادي أزمات متلاحقة، وينشئ جبهة عريضة في وجه الضغوط الخارجية.
والسيناريو الثالث هو تشكيل حكومة غير سياسية تحظى بقبول كل من «فتح» و«حماس» والرئيس والعالم الخارجي. ويصف هذه الحكومة انها «الأسلم لحماس لأنها تجنبها كل الاستحقاقات الصعبة، كما انها تتيح لحركة «فتح» التقاط انفاسها بعد الهزيمة».ويرى ان هذا السيناريو سيجعل من الصعب على العالم مقاطعة السلطة ووقف المساعدات المالية لها.
رام الله ـ محمد إبراهيم