أكد السلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان تكريسه كل وقته من أجل عمان وأهلها وأنه صاحب رسالة وليس صاحب سلطة، وعلى أهمية الجولات السنوية التي يقوم بها إلى الولايات في مختلف مناطق السلطنة للالتقاء بشعبه والتحاور معهم بصفة مباشرة حيث أن تفقد أحوال الرعية من واجبات القائد مشيرا إلى أن »هناك مواطنون قد لا تسمح لهم ظروفهم بأن يطرقوا أبواباًً معينة فآتي أنا إليهم بشكل مباشر...
إني مرتاح وأجد متعة نفسية بهذه الرحلات الداخلية، اجتمع فيها بأهلي واختلط بأنفس كثيرة، اسمع منها وتسمع مني، ونعطي جميعنا الثمار المطلوبة، إني أتمتع وأنا أرى أهلي يستمعون إلى توجيهات ولي الأمر ويعملون بها، من هنا تخلق ثقافة الضبط والربط والتي هي سر تفاعل الرعية براعيها، هذا التفاعل الذي يخلق بدوره الولاء المتبادل بين الطرفين«.
وقال السلطان قابوس في حديث مع صحيفة »السياسة« الكويتية: »أنا من اشد المؤمنين بالضبط والربط، لكني أؤمن بما يمكث فـي الأرض، أي بما ينفع الناس..إني أتابع الشأن العماني بشكل حثيث.. وعلى كل حال فإن عملنا كله شفاف، ومبذول كله لبلدنا ولشعبنا«.
وذكر أن الأمن في بلاده مستتب وليس لديه ما ينغص الأمن الوطني أو الشخصي. وشدد على أن القائد عندما يجعل من نفسه شخصية يخافها الناس وتهاب الحوار معها، فإن سيجد نفسه محاطاً بالمنافقين وأصحاب المصالح، الذين يزينون له سوء عمله، أو يدفعون به إلى هواه ورغباته التي قد لا تكون سوية.. انه لن يكون محاطاً بالمصلحين والناصحين.
إن هذا النوع من القيادات لا يتطلع إلى محاكاته أي قائد سوي وحكيم، نعم يجب أن يكون هناك ضبط وربط لكن ليس إلى الدرجة التي يصبح فيها الحاكم شخصية مخيفة، ومحيطه يتحول إلى مرتع للمنافقين«.
وجدد السلطان قابوس التأكيد في عدم التدخل في شؤون الغير قائلا: »إن الشأن العماني هو هاجسي بلا شك ومعايشتي اليومية وهو فكري وعملي وكل شيء حولي وحواليّ ما عدا ذلك هناك تطورات تحدث فـي المجال الإقليمي والعربي والدولي نتأثر بها ونؤثر عليها وتأخذ منا بعض الوقت للتعرف على كيفيات التعامل معها ومع هواجسها وهذا أمر طبيعي
لكننا نؤمن بالقول المأثور رحم الله من عرف حده فوقف عنده هناك من يتحدثون عن شؤون لا تخصهم نحن لا نستخدم هذا الأسلوب فـي الشأن العماني فلدينا الكثير الذي يستوعب وقتنا وعملنا
فعمان الأمس ليست عمان اليوم وأحلامنا لأجل عمان كثيرة وكبيرة وشعبنا حملنا مسؤولية نحملها بأمانة وجد. إنني لا ارتاح لمن يتنطح بشأن ليس شأنه لا هو متأثر منه أو مؤثر فيه. نسمعه يصرخ لن نسمح. لن نوافق ولن ولكن فـي واد لا يعنيه ولا يمتلكه«.
ورفض سلطان عمان، في حديثه الإعلامي الذي لم يعتد عليه الشعب العماني، مبدأ المبالغة عبر وسائل الإعلام مؤكدا على أن تعليماته لأجهزة الإعلام المحلية تتضمن التوجيه بعدم اللجوء إلى المبالغة وان يتم الحديث عن المنجزات وفق ما هو عليه حجمها لا أكثر ولا أقل كما هي من دون بهارات.
وأسترجع بداية تسلمه للحكم وأولوياته قائلا: »فـي ذلك الوقت كانت تشغلنا عملية الدمج بين الموروث والعصرنة، وكيف أحبك خيوط الشمس فـي نسيج تلك المرحلة المظلمة، واذكر اننا بدأنا بتعليم المرأة وبناء المدارس ودخلنا برفق على المجتمع وقلنا من يرد أن يعلم ابنته فأهلا وسهلا به ومن يرد التمسك بالتقليد فهو حر.
وقضية تطوير مجتمعنا هي التي كانت تشغلنا وكذلك دفع هذا المجتمع إلى رحاب النور، يومها لم يكن الوضع الاقتصادي مريحا لتحقيق هذه الأهداف لكننا اعتمدنا على الله وعلى الإمكانات الموجودة، كان أمامنا ثروات قليلة وكنا نتحدث عن الزراعة والثروة السمكية.
المهم إننا اجتزنا هذه المرحلة الآن والمجتمع العماني أصبح غير الأمس. لقد طور العمانيون موروثهم وتعاملوا مع العصرنة وفق الجرعات المقررة لهم من قبل القيادة واني أرى مجتمعا نفخر به ويحترمه كل من يزوره«.
وفي إشارة إلى الإرهاب الذي استفحل في كثير من الدول قال السلطان قابوس :"نحمد الله أن تلك النباتات الكريهة والسامة رفضتها التربة العمانية الطيبة، والتي لا تنبت إلا طيباً، والشعب العماني يؤمن بالضبط والربط ويؤمن بدينه، دين اليسر لا دين العسر.
بعض دول المنطقة تعرضت لهذا المرض، وبمشيئة الله ستنتصر عليه بدين اليسر والمجادلة بالحسنى، الإرهاب فـي انحسار طالما عرفنا كيف نحاربه وفهمنا طرق محاربته، ومتى نحاربه«.
إلى ذلك، قابل العمانيون الحديث بارتياح واسع واعتبروه حديثا أتسم بالحكمة والتركيز والشفافية وحديث يلامس أحاسيس ووجدان الشعب بشكل مباشر.. فيما تفاجأ كثيرون بالحديث، وقال البعض إنه يرى السلطان قابوس للمرة الأولى في حديث أعلامي.
وقال أمين عام مجلس الدولة الشيخ خالد السعيدي إن الحديث الصحافي للسلطان قابوس يعكس السياسة الحكيمة والشفافية التي يمارسها السلطان قابوس على امتداد 35 عاما من مسيرة النهضة العمانية.
مسقط ـــ علي البادي
