ترك الانفجار المروع الذي وقع في 14 فبراير 2005 في وسط بيروت وأودى بحياة رئيس الوزراء اللبناني الاسبق رفيق الحريري آثاره الواضحة على لبنان. فقد شعر الكثيرون من اللبنانيين بان اغتيال الحريري أدى إلى تفكك البلاد وانقسامها في الوقت الذي وصف فيه البعض حادث الاغتيال بأنه زلزال هز ارجاء لبنان.
وتظهر بوضوح آثار وتداعيات حادث الاغتيال في شوارع العاصمة بيروت التي يعود الفضل في تعميرها في اعقاب الحرب الأهلية التي استمرت خلال الفترة ما بين عامي 1975 و1990 إلى الراحل رفيق الحريري.
أما الملصقات الكبيرة للرئيس السوري بشار الأسد الذي كانت بلاده هي القوة المسيطرة في لبنان وتواجه حالياً اتهامات بأنها تقف وراء اغتيال الحريري, فقد أزيلت وحلت محلها صور أكبر حجماً للراحل رفيق الحريري ونجله سعد الحريري.
وكان الحريري الابن وكتلته السياسية قد فازا بأغلبية الاصوات في الانتخابات البرلمانية الماضية التى اجريت في مايو ويونيو الماضيين حيث يسعى سعد الحريري إلى الاستمرار في الحفاظ على الارث السياسي لوالده الراحل رفيق الحريري.
وقد اختفت الشعارات التي كانت مكتوبة على الجدران وتعلن الولاء للنظام البعثي السوري لتغطيها شعارات جديدة تمجد »الحرية« و»الاستقلال« وهي من الكلمات التي رددها مئات الآلاف من اللبنانيين في شوارع منطقة وسط بيروت للاحتجاج على اغتيال الحريري.
غير انه بعد مرور عام تقريبا على اغتيال الحريري, وهو عام شهد سلسلة من حوادث التفجيرات بلغت 15 حادثا استهدفت نشطاء سياسيين وصحافيين مناهضين لسوريا, فإن أوضح تغيير طرأ على شوارع بيروت تمثل فى الانتقاد العلني والمسموع بصوت عال للنظام في سوريا.
وتقول سيدة مسيحية من حي الاشرفية في بيروت تدعى منى يمين »انهم (السوريون) يقفون وراء اغتيال رفيق الحريري مثلما يقفون وراء حوادث التفجيرات الأخرى«. وتضيف »انهم سيفعلون كل شيء لمحاولة زعزعة استقرار البلاد من اجل ايجاد سبب للعودة إلى لبنان مرة أخرى ليحكموننا من جديد كما فعلوا خلال 30 عاماً«.
وأذعنت سوريا للضغوط الدولية في ابريل الماضي حيث قامت بسحب قواتها من لبنان وانهاء وجودها العسكري والاستخباراتي هناك للمرة الأولى منذ عام 1976.
ورغم قيام إحدى اللجان التابعة للامم المتحدة بالتحقيق في جريمة اغتيال الحريري, الا ان الكثيرين من اللبنانيين يعتقدون بضلوع سوريا في حادث الاغتيال ويستبعدون فكرة وجود اشخاص متواطئين آخرين محتملين وراء الحادث.
وترغب اعداد كبيرة من اللبنانيين سواء من المسيحيين أو الدروز أو المسلمين السنة في تغيير النظام في سوريا المجاورة, خشية من استمرار النظام في سعيه لزعزعة استقرار لبنان اذا ما بقي في السلطة في سوريا.
غير أنه في الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت التي تقطنها اغلبية شيعية وحيث يتمتع حزب الله بتأييد قوي فإن المشاعر المعادية لسوريا قد تبدلت لتتحول إلى غضب تجاه الغرب.
تقول فاطمة زين الدين, وهي من انصار حزب الله, ان »بعض الناس يريدون القاء اللوم على السوريين وعدم الانتظار حتى انتهاء التحقيق«. وتوضح »ان التحالف الأميركي الفرنسي يتوق إلى إلقاء اللوم على سوريا بوصفها الجهة التي تقف وراء اغتيال رفيق الحريري«.
ووصفت مجموعة من الشباب من انصار حزب الله في احد مقاهي الانترنت في الضاحية الجنوبية الوضع الراهن بأنه »غير مستقر« غير انهم استبعدوا احتمالات نشوب نزاع مسلح جديد.ويقول محمد فقيه, احد انصار حزب الله, »ان نشوب حرب اهلية جديدة مسألة غير واردة على الرغم من وجود معسكرين في البلاد في الوقت الراهن«.
ويضيف فقيه ان احد المعسكرين يؤيد الدول العربية القومية والاسلامية بينما »يريد الآخر (وهو المعسكر المناهض لسوريا) دعوة الهيمنة الأميركية للمجيء إلى البلاد«. ويشير إلى ان الجيل اللبناني الجديد »سواء كان من المسيحيين أو المسلمين فقد تعلم من اخطاء الماضي«.
والانقسام الواضح السائد في لبنان لم يمنع مع ذلك قطاعاً صغيراً من المجتمع اللبناني الذي تنتابه الهواجس ومشاعر القلق السياسي من البقاء على الحياد دون الانضمام إلى اي من المعسكرين سواء الموالي أو المناهض لسوريا.
وذكرت سيدة مسيحية لبنانية وهي صاحبة أحد محال السوبر ماركت في منطقة خاض فيها المسلمون والمسيحيون معارك شرسة على مشارف الضواحي الجنوبية لبيروت ان كل ما يريده لبنان هو ان »يعيش في سلام«. وقالت »انني لا أهتم بالسوريين أو الأميركيين.. إني لبنانية حتى النخاع وأريد من المواطنين العمل لمصلحة هذا البلد وليس لمصلحة اية دولة أخرى«.
(د ب ا)