شهد التيار الإسلامي في موريتانيا خلال تاريخه السياسي حديث النشأة الكثير من التقلبات والهزات السياسية العنيفة، كان أخطرها على الإطلاق ما يفضل البعض أن يطلق عليه »معركة كسر العظم« بين هذا التيار ونظام الرئيس السابق معاوية ولد الطايع الذي استشعر خطر الإسلاميين على مستقبله بعد قيامهم بتعبئة الشارع ضد قراره إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل فزج بمعظم رموزه في السجون،
وحاول بكل قوة قمع تحركات مناصريهم داخل الشارع وتجفيف مواردهم المالية وحل جمعياتهم الخيرية ومحاولة تفكيك بنية حركتهم التنظيمية ووصمهم إعلاميا بكل سمات التطرف والإرهاب والتخريب وكاد الصراع مع الإسلاميين ينزلق إلى صراع مع الإسلام ذاته لولا أن الله سلم على حد قول الباحث الموريتاني محمد فال ولد أيد، لكن ذلك لم يمنع الشارع الموريتاني بمختلف مكوناته من إظهار التعاطف مع هذا التيار والوقوف خلف قادته في محنتهم.
وفي الأشهر الأخيرة من حكم الرئيس ولد الطايع حاول الإسلاميون الانخراط بشكل رسمي في العمل السياسي من خلال التحالف مع بعض القوى السياسية وتشكيل حزب سياسي أطلقوا عليه »حزب الملتقى الديمقراطي« لكن السلطات رفضت الاعتراف به ووصف آخر وزير إعلام في حكم ولد الطايع حمود ولد عبدي قادة هذا الحزب بأنهم »شذاذ آفاق«،
وبعد استيلاء المجلس العسكري الحاكم على السلطة في الثالث من أغسطس الماضي كان التيار الإسلامي سباقا إلى إعلان دعمه ومساندته للتغيير الجديد رغم وجود معظم قادته ورموزه في السجون، وحاول هذا التيار توظيف الخطاب السياسي للعسكريين الذي يبشر بمرحلة جديدة من الانعتاق والحرية فقاموا بإيداع ملف حزبهم لدى وزارة الداخلية،
لكن العقيد اعلي ولد محمد فال أعطى مؤشرات غير مبشرة في أول تصريح له للصحافيين حيث أكد أن الحكومة الانتقالية لن تسمح بإقامة حزب يستند إلى خلفية دينية، وبالفعل رفضت وزارة الداخلية الاعتراف بالحزب وهو ما أدى إلى تفكيك التحالف مع تيار السياسي المخضرم الشيخ ولد حرمة الذي أسس حزب التجمع من اجل موريتانيا
فيما أسس الإسلاميون ما سموه بــ »لجنة الإصلاحيين الوسطيين« وأكد هؤلاء الإصلاحيون الجدد الذين يتزعمهم السياسي الشاب محمد جميل منصور في وثيقة أصدروها تبين ملامح رؤيتهم السياسية تبنيهم نهج الوسطية والاعتدال وهو ما ينفي »التشدد في المنهج أو الغلو في الأسلوب وتؤكد اعتدال رؤيتنا وتوازن نظرتنا وتوسط ممارستنا، ونبذنا لكل أساليب العنف والتطرف والتشدد« على حد قولهم.
وأضافوا أن ثوابتهم ومنطلقاتهم العامة تنطلق من الإيمان بمجتمع موريتاني واحد وموحد في الدين والمذهب وحقوق المواطنة وتعتبر تعدده العرقي رافدا حضاريا غنيا ومغنيا يؤهل البلد لدوره الإقليمي ويسمح له بالتمدد القاري والدولي.
وأكدوا أن قبولهم للديمقراطية والتعددية والتداول السلمي للسلطة خيار استراتيجي لا تردد فيه »ونرفض الاستبداد وتبريراته والأحادية ومسوغاتها ونعتبر أن الديمقراطية بما تتيحه من أجواء الحرية والمنافسة والرقابة والشفافية صمام للتنمية والتقدم والنهضة«.
وعلى المستوى الخارجي أكد الإسلاميون الموريتانيون أن أهم أولوياتهم في المرحلة المقبلة هو قطع العلاقات مع إسرائيل والتي أضرت بالمصلحة الوطنية وبسمعة البلد ودوره تجاه أمته وأهله ودعم الشعب الفلسطيني في كفاحه المشروع ومساعدته على نيل حقوقه الكاملة، مضيفين أنهم سيعملون على إقامة علاقات متميزة مع كل الدول التي تربطها مصالح مشتركة مع موريتانيا بما فيها الولايات المتحدة الأميركية.
نواكشوط ــ بشير ولد ببانه