أظهرت أحداث الأيام الأخيرة في دمشق الطبيعة المعقدة للحالة الإسلامية في هذا البلد، والتي يرى الكثيرون أنها أشبه بنار تحت الرماد، وهو ما يرفضه آخرون مؤكدين على الطبيعة المعتدلة للإسلاميين السوريين، رغم وجود أقلية متطرفة.

ففي الوقت الذي كانت جموع المتظاهرين الإسلاميين تملأ شوارع العاصمة دمشق تحت أنظار رجال »مكافحة الشغب« احتجاجاً على الرسوم المسيئة للرسول الكريم كان رجال »مكافحة الإرهاب« يداهمون مجموعة تكفيرية في إحدى قرى غوطة دمشق ويقتلون قائد المجموعة ويعتقلون مرافقيه بعد اشتباك دام نصف ساعة.

وكان للصراع الدامي الذي نشب بين السلطة والجماعات الإسلامية المختلفة ومنها جماعة »الأخوان المسلمين« في السبعينات ومطلع الثمانينات أكبر الأثر في وضع حد للنشاط الإسلامي الذي عاد الحديث عنه من جديد في غمرة النقاش العام لقانون الأحزاب السياسية.

ويميل المناخ العام في حزب البعث وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية التي تشكل ائتلافاً حاكماً إلى منع تشكيل الأحزاب على أساس ديني أو طائفي أو عرقي، وهو ما يعني عدم الترخيص لجماعة »الأخوان المسلمين» المحظورة التي تعتبر نفسها أبرز ممثلي الإسلام السياسي.

ويؤكد أمين عام الحزب الشيوعي السوري المشارك في الحكم يوسف فيصل على أن حزبه لا يوافق على أن تتشكل أحزاب على أساس ديني أو طائفي لأن سوريا بلد فيه شعب سوري يجب أن تتشكل أحزاب وطنية تشمل كل فئاته.

ويتفق مع فيصل جمع غفير من القوى التي توصف باليسارية والقومية والتقدمية، غير أن تياراً يسارياً معارضاً يرى أن التيار الإسلامي حقيقة واقعة ولابد من التعامل معها لما فيه مصلحة البلد لا استبعادها وتكرار تجارب الإقصاء التي أدت إلى نشوء العنف في أكثر من بلد وتجربة.

وكحل وسط لهذه الإشكالية المعقدة برز تيار في الشارع الإسلامي السوري يرى في التجربة التركية أنموذجاً يحتذى. ويعتبر النائب محمد حبش أحد ممثلي التيار الإسلامي الإصلاحي أنه »ليس من المفيد للوطن، في المرحلة الراهنة على الأقل، الحديث عن حزب سياسي إسلامي.

يستند هذا الرأي إلى موقف أصولي ومستند واقعي، فانا شخصياً مؤمن بحرية الاجتهاد واتساع آفاقه وهذا يعني منح الناس حق الاجتهاد، ولذلك فلا اعتقد أن من الحكمة تغييب دور أي قطاع من المجتمع في تقديم رؤيته للبناء والتنمية.

ونحن نعتقد أن المصالح المرسلة شُرّعت واسعة في الإسلام وهي تتسع باطراد وتحتاج إلى اجتهاد جديد ووفق رؤيتين، فأنا لا أرى بأن الاجتهاد في مسائل الحياة حكر على رجال الدين بل إن المجتمع بخبرائه وقادته التشريعيين مدعوون للمشاركة في بناء الحياة.

وهنا يتخذ الدين دوره في التوجيه وحماية الفضيلة ولذلك فلدي إحساس أن الحكم الثيوقراطي كما هو في فهم كثير من المحافظين غير واقعي وغير مطلوب شرعاً«. ويضيف: »أنا أفضِّل قيام أحزاب ذات توجه إسلامي تقوم على حراسة الفضيلة، ولكنها لا تحتكر اسم الإسلام أو اسم الله.

وربما كان النموذج التركي في حزب العدالة والتنمية أكثر النماذج واقعية ومقبولية في الشارع، والتزاماً بالأصول كما افهمها أو التزاماً بأسلوب النبي صلى الله عليه وسلم كما أفهمه«.

وتختلف تقديرات الباحثين والمراقبين لحجم هذا التيار الإسلامي، ولكنها على العموم تتحدث عن حجم كبير، تعزز في العقد الأخير، نتيجة تراجع الأفكار والأحزاب القومية واليسارية.

ويؤكد المهتمون بشؤون الجماعات الإسلامية أن »الإخوان المسلمين« السوريين قطعوا شوطاً مهماً على صعيد إعادة بناء المنظومة الفكرية لهم بحيث باتت تتوافق مع الديمقراطية الغربية التي تتبناها معظم الأحزاب المعارضة التي باتت تشترك مع الجماعة في تحالف عريض يسمى إعلان دمشق.

غير أن حزب البعث والكثير من القوى اليسارية والقومية ما انفكت تشكك بحقيقة توجهات الأخوان الديمقراطية، وتعتبر أن خطابهم الجديد ما هو إلا وسيلة للعودة إلى الحياة السياسية السورية، وتمهيداً للاستيلاء على الحكم.

دمشق ـ تيسير أحمد: