لا يزال عشرات الناجين من كارثة العبارة »السلام 98« التي غرقت في مياه البحر الأحمر، يتذكرون أهوال ما سماه احد أفراد طاقم العبارة المنكوبة يوم السمك الكبير، الذي امتد لساعات طويلة قبل ان يتم انتشالهم من بين الأمواج العاتية.
ووسط الروايات تبقى قصة الطفل محمد الأكثر تأثيراً في النفوس، فقد ألبسه والده طوق النجاة قبل ان يغرق مع الأم في مياه البحر العميقة التي مكث فيها الصغير 30 ساعة كاملة حتى تم إنقاذه.
فقد حفلت روايات الناجين بالعديد من القصص والحكايات عن الساعات الطويلة التي قضوها قبل إنقاذهم من البحر وعودتهم من اليابسة، وقال احدهم انه سمع عبارة لخصت الفاجعة من احد أفراد طاقم العبارة لدى التفاف الركاب حوله عقب اندلاع النيران فيها عندما قال »يبدو أنه يوم السمك« وهي العبارة التي تقول صحيفة »الأهرام« القاهرية انها بقدر ما حملت من السخرية والتهكم بقدر ما جاءت إنذارا بالموت المحقق، وأن ضحايا العبارة سوف يصبحون وجبة لسمك القرش والأسماك المتوحشة في مياه البحر الأحمر.
وقال عصام فؤاد الذي كان يعمل مشرف كافيتريا ضمن طاقم العبارة: غادرنا الساعة السابعة والنصف مساء الخميس من ميناء ضبا السعودي وسرنا في المياه لمدة ساعتين، وبعدها فوجئنا بأدخنة تتصاعد من مرآب العبارة، فأصابتنا حالة فزع وذعر، وقمت بمساعدة طاقم الحريق بمحاصرة النيران
وتمكنا من إخماد الحريق ثم ذهبت إلى الدور الثاني للقيام بتبريد وتهوية الغرف من الأدخنة ومن شدة الرياح وارتفاع الأمواج مالت العبارة على جانبها الأيمن ولم يصدر القبطان أية إشارات إنذار في البداية، فأسرعت إلى سطح العبارة وقمت بتجهيز قارب إنقاذ وأعددته للنزول إلى المياه، وقمت باستقلاله مع60 راكبا وغادرنا المركب في لحظة سقوطها في المياه.
أما أحمد السيد فتح الله وهو من أفراد الطاقم أيضاً فيشير إلى »أن إنذار الحريق دق في الساعة الحادية عشرة وأخذنا في إطفاء النيران وقمنا بتوجيه الركاب وتجميعهم في مراكز التجمع حتى أخمدنا الحريق،
ثم وجدنا بعد 10 دقائق إنذاراً آخر بنشوب حريق داخل مرآب العبارة فقام طاقم المركب الداخلي بتجميع الركاب على السطح فمالت العبارة على جانبها الأيمن، ومن كثرة الشاحنات وارتفاع أوزان الحمولة زاد ميلها أكثر في المياه، وقام القبطان بإعطاء تعليمات إرجاع المركب إلى وضعها الطبيعي، لكن شدة الأمواج حالت دون ذلك«.
وفي شهادة رواها للصحافيين قال وليد حلمي زكي »28 عاماً« ويعمل طباخا منذ عام ونصف العام على العبارة الغارقة ان طاقم العبارة فشل في السيطرة على الأدخنة المتصاعدة من المرآب.. وقال ان عددا كبيرا من أفراد الطاقم المسؤولين عن إطفاء الحريق داخل العبارة أصيبوا بحالات اختناق نتيجة تصاعد الأدخنة بكثافة شديدة وقام طبيب العبارة بوضع اسطوانات الأكسجين لهم لمعالجتهم من حالة الاختناق..
وبعد ساعة تقريبا طالب قبطان العبارة باستخدام خراطيم المياه لتبريد الكبائن التي ارتفعت درجة حرارتها بصورة كبيرة ووصل إليها دخان كثيف حتى ظننا ان النيران اشتعلت بها وانقطعت الكهرباء فجأة ولم نر أي شيء ولم تستخدم قوارب النجاة مما أدى إلى زيادة عدد الضحايا والمفقودين.
وقال محمد محروس رزق عيسى من مركز الرحمانية محافظة البحيرة ويعمل في مستوصف طبي في السعودية منذ 11 عاماً ان انفجارا في مقدمة العبارة حدث قبل غرقها بدقائق وان قبطان العبارة وعدداً من الطاقم قفزوا في قارب مطاطي إلى الماء من دون ان يطلبوا منا ارتداء سترات النجاة وإنزال القوارب وعندما شعرنا أن العبارة تغرق قفزنا إلى الماء بعد ارتداء سترات النجاة.
وأشار إلى أن القوارب الموجودة على العبارة كانت تسقط من فوق على الركاب وقتلت عددا منهم وان عدداً كبيراً من السيدات الموجودات في غرف العبارة لم يستطعن الخروج وغرقن جميعا بينما كان الرجال على السطح يقفزون في الماء.
وروى أيمن محمد عبد اللطيف 18 عاماً، حاصل على دبلوم المدارس الصناعية من قرية أولاد يحيى بمركز دار السلام محافظة سوهاج لـ »البيان« ساعات رهيبة عاشها بين الأمواج العاتية وقال »سافرت لوالدي الذي يعمل بالسعودية منذ عام وأعطاني مبلغا من المال لافتتاح مشروع جديد لي عقب انتهائي من الدراسة..
وبعد أن قررت العودة إلى مصر لأبدأ المشروع عدت على ظهر العبارة المنكوبة ورأيت الأهوال بعد ان عشت حوالي 12 ساعة بين الأمواج العاتية متعلقا ببرميل كان على ظهر العبارة وتركت نفسي للقدر وتذكرت قصة سيدنا يونس عليه السلام وأخذت ارددها حتى لاح لي قارب إنقاذ فأخذت أنادي على من فيه حتى وصلوا إلي وانقذوني.
وأشار إلى ان بعض الركاب ماتوا من الرعب على ظهر العبارة وهي تغرق من فظاعة المنظر الرهيب قبل ان تغرق بعدما مالت على الجانب الأيسر ثم انفجرت السيارات بداخل مخازن العبارة ودخلت المياه بداخلها بغزارة«.
أما أكثر القصص إنسانية فكانت للطفل الوحيد الذي تم انتشاله من بين الناجين من ركاب العبارة المنكوبة »السلام 98« اسمه محمد أحمد 7 سنوات من المنيا.
ونقلت صحيفة »الجمهورية« المصرية عن محمد قوله انه عندما بدأت العبارة في الغرق ألبسه والده طوق النجاة وبعد غرق والده ووالدته قام أحد الناجين بمساعدته والعناية به حتى جرى إنقاذه. وأضاف انه ظل يصارع الأمواج لمدة 30 ساعة حتى تمكنت قوات الإنقاذ من انتشاله. ونقل الطفل إلى مستشفي سفاجا المركزي لعمل الإسعافات اللازمة.
وإضافة إلى قصص الناجين روى أهالي المفقودين قصصا أخرى لوقع الصدمة عليهم ،ففي محافظة كفر الشيخ وفى مدينة دسوق فقدت أسرة ثلاثة من أفرادها مرة واحدة الأب والأم والابنة الصغرى كانوا على متن العبارة الغارقة عائدين إلى مصر لإتمام خطوبة ابنهم الأكبر المهندس إيهاب حسين الفخراني.
يقول إيهاب ( 30 عاماً) لـ »البيان«: »والدي كان يعمل سباكا في السعودية منذ 25 عاماً ومنذ أربعة شهور سافرت والدتي وشقيقتي الصغرى ولكن عندما أخبرت والدي برغبتي في الزواج أصر على الحضور ولم يكن يعلم ان إصراره سوف يدفعه إلى الموت هو وأمي وأختي غرقاً ولكنها إرادة الله سبحانه وتعالى رغم ان الأمل مازال يراودني حتى الآن ان يكونوا بين الأحياء«.
وفى الشرقية في إحدى قرى مركز أبو حماد كانت قرية القطاوية على موعد مع الأحزان بعدما فقدت ضحية من ضحايا العبارة المنكوبة وهي فادية حسن احمد رمضان التي سافرت مع نجليها ندا ومحمد إلى السعودية منذ 15 يوماً لتجديد التأشيرة لكنها لم تعد وكانت تأشيرة للخروج من الدنيا بأسرها.
أما ملكة شقيقة المفقود إبراهيم حامد احمد بقرية ميت ركاب مركز الزقازيق فقد ظلت لفترة طويلة تقبل صورة شقيقها إبراهيم وهي غير مصدقة ان شقيقها لن تراه ثانية ولن يراه أولاده الثلاثة محمود الطالب في الفرقة الرابعة بكلية الطب جامعة الزقازيق ونجاح الطالبة في الفرقة الثانية في نفس الجامعة ومحمد في أولى ثانوي.
وفي مدينة دمنهور في محافظة البحيرة خيمت أجواء الحزن على شارع المقريزى بعدما علمت أسرة الدكتورة أحلام يوسف دعبس 54 عاماً بوفاتها حيث كانت تعمل بكلية العلوم جامعة الاسكندرية وفي السعودية بجامعة الملك فهد منذ ثلاث سنوات واشتدت الآلام بعدما علمت أسرتها بنبأ مصرع زوجها عبد الرحمن عبد الله حسن الذي كان يرافقها في عملها وكتب القدر لابنهما الوحيد محمد النجاة.
القاهرة ــ سباعي إبراهيم والوكالات

