تظهر المقاعد الخاوية في المكان المخصص للمتهمين بوضوح حرب الإرادات التي تدور بين الرئيس المخلوع صدام حسين وكبير القضاة الجديد في محاكمته.

قال رؤوف عبد الرحمن للزعيم العراقي السابق خلال دقائق من تولي المحاكمة يوم 29 يناير «أنا القاضي وأنت المتهم». وحدد هذا ملامح جديدة للمحاكمة التي بدأت يوم 19 أكتوبر واتسمت بكلمات حادة من صدام وبعض المتهمين الآخرين السبعة الذين يحاكمون معه في نفس القضية وكلهم يواجهون عقوبة الإعدام في حالة إدانتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

وفي اليوم الأول طرد القاضي الذي لا يقبل أي خروج على اللياقة برزان التكريتي الأخ غير الشقيق لصدام وأحد أفراد هيئة الدفاع لرفضهما التزام الصمت مما دفع محامي الدفاع الغاضبين إلى الخروج من القاعة. وأعقبهم صدام ونائبه طه ياسين رمضان والرئيس السابق لمحكمة الثورة عواد حامد البندر.

وفي اليوم الثاني قاطع صدام وأربعة متهمين المحاكمة إلى جانب فريق الدفاع الذي اتهم القاضي الجديد بالتحيز وطالب بخلعه. ولم يمثل سوى ثلاثة مسؤولين سابقين من حزب البعث في المكان المخصص للمتهمين.

وفي اليوم الثالث أصبح مكان المتهمين خاليا تماما فقد منع عبد الرحمن صدام ومساعديه من المثول أمام المحكمة لمقاطعتهم إياها في اليوم السابق والمتهمين الثلاثة الآخرين لتسببهم في «فوضى» خارج القاعة.

وقال دبلوماسي غربي مطلع على شؤون المحكمة المدعومة من الولايات المتحدة للصحافيين ان الحال انتهى بصدام وهو يشاهد محاكمته على شاشات التلفزيون.

وقالت ماريكه فيردا الخبيرة في شؤون المحاكمات الجنائية الدولية لدى المركز الدولي للعدالة الانتقالية «من الواضح أن أحوال المحاكمة تغيرت تماما مع القاضي الجديد.. هناك صراع صريح على السيطرة. لقد وصلنا لمرحلة الأزمة».

وقال ادجار تشين من ائتلاف العدالة الدولية ومقره واشنطن والذي كان يراقب محاكمة الرئيس اليوغوسلافي السابق سلوبودان ميلوسيفيتش في لاهاي انه رأى تماثلا بين سلوك ميلوسيفيتش وسلوك صدام خلال محاكمة كل منهما.

وقال ل«رويترز»، لقد «كان كلاهما معتادا على امتلاك سلطة مطلقة وكلاهما يريد إثبات من له الكلمة العليا. انهما يعتبران ذلك العرض الخاص بهما وان العرض لا يستمر من دون وجودهما».

ولكن القاضي عبد الرحمن مصر على أن العرض سيستمر وعين محاميا لتمثيل صدام والمتهمين معه في ظل غيابهم. ونظرا لرفض صدام المعلن للمحامي الذي تعينه المحكمة لا تزال هناك تساؤلات عن كيفية مواصلة المحكمة انطلاقا من هذه النقطة.

وقالت فيردا انها تأمل أن يتوصل فريق الدفاع والمحكمة إلى حل وسط مقبول قبل استئناف وقائع الدعوى يوم 13 الشهر الجاري. وصرحت ل«رويترز».. «ستكون للمحاكمة فرصة أفضل أن تتسم بالعدل مع محام مختار من جانب المتهم».

وفي داخل العراق ينظر للمحاكمة من خلال زوايا طائفية. فالأكراد والغالبية من الشيعة يريدون الإسراع في تنفيذ حكم الإعدام في الرجل الذي اضطهدهم لفترة طويلة في حين أن السنة الذين كانت لهم الغلبة إبان حكم صدام يشككون في مدى شرعية المحكمة.

ورغم غياب صدام والمتهمين الآخرين وفريق الدفاع فان القاضي عبد الرحمن يمضي قدما في المحاكمة مستدعيا سلسلة من شهود الإثبات.قال تيو دو روس أستاذ القانون الجنائي في جامعة ليدن بهولندا « ما يقوم به القاضي الجديد ينظوي على مخاطرة...

عندما تكون هناك مشكلة متعلقة بالشرعية.. فلابد أن يكون هناك عنصر واحد نركز عليه وهو المحاكمة العادلة».وشابت المحاكمة بالفعل التعطيل أكثر من مرة وقتل اثنان من فريق الدفاع واستقال كبير القضاة بسبب شكواه من تدخل الحكومة واستبدال نائبه بعد اتهامه بالانتماء إلى حزب البعث.

وثارت تساؤلات عن مدى حياد عبد الرحمن وهو من بلدة حلبجة الكردية التي استخدم فيها عام 1988 مما أدى إلى مقتل خمسة آلاف. ووسط هذه النزاعات طالب محامي الدفاع بنقل المحاكمة إلى بلد آخر. وتشكك جماعات حقوق الإنسان في قدرة العراق على إقامة محاكمة عادلة وسط الصراعات الطائفية والعرقية التي تعاني منها البلاد.

ولمح بعض المراقبين إلى أن محامي الدفاع يتبعون سياسة تعطيل وإفساد وقائع الدعوى. وقالت فيردا ان لديهم اراء مشروعة عن مدى شرعية المحكمة واختصاصها. ومضت قائلة « أعتقد أن هناك آليات قانونية قائمة للتعامل مع هذه المخاوف.

أعتقد أن قرارهم بالتغيب يحمل طابعا سياسيا» وحثت محامي الدفاع على العودة إلى المحكمة لمنح موكليهم «أفضل استشارة قانونية ممكنة».وذكر خبراء قانونيون أن غياب صدام والمتهمين الآخرين لن يؤثر على عدالة المحاكمة.

والقضية الوحيدة هي التمثيل القانوني لهم.وقال تشين «إذا كانوا سيعوقون هذه العملية فانه ليست هناك حاجة لوجودهم في القاعة...لا أرى أن غياب صدام عن القاعة يمثل مشكلة كبيرة لان هذه هي مهمة المحامين.».