يصر رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) خالد مشعل على أن الحركة خططت لكل ما حققته من إنجازات، وأن لا مكان للصدفة لا في التأسيس ولا في فوزها بالغالبية الساحقة خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة.
وأضاف في حوار مع »البيان« ان جذور (حماس) تعود إلى تجربة »معسكرات الشيوخ« التي كان أبرز وجوهها الشيخ عبدالله عزام قبل أن يخرج من الثورة الفلسطينية بشكل صاخب ليؤسس مدرسة الجهاد الأفغاني في السبعينات والثمانينات.
وأشار إلى أن زعيم الحركة الراحل الشيخ احمد ياسين كان أول رئيس للجهاز العسكري لحركة (حماس) في الثمانينات من القرن الماضي، وكلف بشراء السلاح وتم شراء بعض منه لكن الأمر اكتُشف، وضُربت تلك التجربة في بداياتها. وعلى إثرها اعتقل الشيخ أحمد ياسين. تالياً نص الحوار:
٭ المعروف أن اسم (حماس) بدأ تداوله مع انطلاقة الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، هل تحدثنا عن ظروف وحيثيات تفاعل حركة (حماس) مع الانتفاضة؟ ولا يخفى عليكم بأن هناك اتهاماً من قبل بعض الفصائل اليسارية الفلسطينية لــ(حماس) بأنها صمتت لفترة بعد انفجار الانتفاضة، ولم تلتحق أو تنخرط فيها إلا لاحقاً؟
ــ لا، هذا ظلم بائن. بالعكس، (حماس) ارتبطت نشأتها وارتبط وجودها بالانتفاضة الأولى عام 1987. نحن، مررنا بمرحلة الإعداد والتحضير، داخل وخارج فلسطين، خلال السبعينات والنصف الأول من الثمانينات. خلال تلك الفترة عملنا على الإعداد والتحضير، وإقامة البنى التحتية لهذا المشروع الوطني الإسلامي.
بالتالي، كانت الظروف ناضجة والتربة جاهزة، فما إن تهيأ الظرف، عبر »حادثة المقطورة«، يوم 7 ديسمبر 1987، التي استشهد فيها ستة من أبناء شعبنا من العمال الذين صدمتهم مقطورة إسرائيلية في جباليا، حتى تأججت المشاعر، ووجدت قيادة الحركة (حركة حماس) في غزة أن تلك لحظة مواتية للانطلاقة، وكان ذلك فتيل اشتعال الانتفاضة، حيث تم الانطلاق من ذلك الحادث الأليم لإعادة بعث الروح في الشعب الفلسطيني ليواجه الاحتلال.
لم يكن ذلك مجرد صدفة أو ردة فعل، بل تم بقرار. وهذه حقيقة تاريخية. كان الشيخ أحمد ياسين في ذلك الوقت قد خرج لتوه من السجن، وكان على رأس قيادة الحركة آنذاك عبد الفتاح دخان، أحد رجالات (حماس) والحركة الإسلامية الكبار في غزة. الاثنان اتخذا القرار بمواجهة الاحتلال، فبدأت المواجهة في غزة، ثم انتقلت بعد ذلك إلى الضفة.
بالتالي فإن (حماس) كانت حاضرة في الانتفاضة من اليوم الأول. بل كان هناك قرار مسبق، حيث أن حضور وإسهام (حماس) في الانتفاضة كان مقرونا بقرار قيادي من أعلى مستوى. مما جعل الحركة تنخرط بكل طاقتها في المواجهة، مثلما انخرطت بقية القوى الأخرى. نحن لا نبخس للآخرين دورهم وحقهم، ولكن لا نسمح لأحد بأن يبخسنا حقنا. هذه حقيقة تاريخية، وأهل غزة أعرف الناس بهذه الحقيقة.
٭ ومتى أصدرت (حماس) بيانها التأسيسي بالضبط؟
ــ أول بيان صدر للحركة كان يوم 14 ديسمبر 1987. الانتفاضة بدأت يوم 8 ديسمبر، ونحن انخرطنا فيها على صعيد الفعل، ثم ترجمنا ذلك على الصعيد العلني، وعبرنا عن ذلك في البيان المشار إليه، بعد أقل من أسبوع على انطلاقة الانتفاضة.
٭ وماذا عن تجربة »العمل العسكري«، التي سُجن ضمنها الشيخ أحمد ياسين، سنة 1983؟
ــ كان هناك مسار تطور تاريخي مر بمراحل ثلاث. المرحلة الأولى هي مرحلة الإعداد والتحضير، التي أشرنا إليها، في الجماعات والمساجد والمؤسسات الاجتماعية والخيرية، والتواصل مع الجمهور، وربط الداخل بالخارج. في تلك الفترة كنا كحركة إسلامية قد تشكّلنا كتكتل، وكان لنا نشاطنا، بل وسقط لنا شهيدان، عام 1986، هما جواد سلمية وصائب أبو ذهب، في جامعة بيرزيت، وكانا من شباب القطاع.
بعد تلك الفترة التحضيرية، جاءت فترة ثانية هي فترة بناء وتأسيس الإطار التنظيمي، في أواسط الثمانينات. وضمن هذه المرحلة كانت التجربة العسكرية للشيخ أحمد ياسين رحمه الله. وبسببها تعرّض للسجن عامي 1983 و1984، ثم أُفرج عنه بالمبادلة، عام 1985.
٭ ما طبيعة تلك »التجربة العسكرية« بالضبط؟
ــ كانت الحركة الإسلامية آنذاك تحضّر نفسها للمقاومة، فكان لا بد من شراء أسلحة. تم تشكيل جهاز عسكري بقيادة الشيخ ياسين، وتم شراء سلاح. لكن الأمر اكتُشف، وضُربت تلك التجربة في بداياتها. وعلى إثرها اعتقل الشيخ ياسين، واعتُقل أيضا الشهيد الدكتور إبراهيم مقادمة، وعدد آخر من الإخوة القياديين.
٭ تلك التجارب كلها لم تكن تتم تحت شعار أو تسمية (حماس). أليس كذلك؟
ــ بلى. لم نكن في تلك الفترة قد اخترنا العنوان. نحن كنا حركة إسلامية تريد العمل الوطني الجهادي المقاوم، على كل الأصعدة السياسية والشعبية والإعلامية والأمنية. بمعنى أننا كنا نطرق كل ميادين العمل النضالي والوطني، وخاصة الميدان العسكري، ولكن من دون أن نضع لعملنا عنواناً أو تسمية علنية. ثم في مرحلة ثالثة، بعد مرحلتي التحضير والبناء، تجلى هذا العمل مع انطلاقة الانتفاضة تحت عنوان (حماس). كان هذا هو التطور الطبيعي في مسار إنشاء حركتنا.
٭ أنت شخصياً، في تلك الفترة التي اكتمل فيها مسار الإعداد والتأسيس، وأُعلن رسمياً عن تشكيل (حماس). أين كنت؟
ــ كنت في الكويت إلى غاية العام 1990. أسهمتُ بدوري في تأسيس هذه الحركة، وعشت تجربتها مع إخواني الآخرين، وكان لي دوري في العمل لها في ميادينها المختلفة، من موقعي في الكويت. في السابق كنت موظفا في قطاع التدريس إلى غاية ما قبل منتصف الثمانينات.
ثم تفرغت بشكل كامل للعمل النضالي من أجل تأسيس هذه الحركة. كنا آنذاك لا نزال في مرحلة السرية، لذا لم يكن لنشاطي مظهر علني. مع احتلال الكويت، عام 1990، نشأ ظرف جديد لم يعد يسمح للجالية الفلسطينية في الكويت أن تظل على حالها السابق، فكيف بالنسبة إلى قيادة تبحث عن ساحة تلائم موقعها القيادي. لذا انتقلنا أنا وعدد من إخواني إلى الأردن، عام 1990.
كان هناك في الأصل عدد من قيادات الحركة هناك، ثم التحقت بنا قيادات من ساحات أخرى، وبالتنسيق مع إخوتنا في الداخل، بدأنا مرحلة جديدة من العمل النضالي مارسنا خلالها دورنا القيادي انطلاقا من الأردن. واستمرت تلك التجربة تسع سنوات، من العام 1990 إلى 1999. ثم أُبعدنا من الأردن، فانتقلنا إلى قطر ثم إلى سوريا حيث لا نزال إلى اليوم.
٭ من خلال تجربتك الشخصية كيف كنت ترى التناقض الذي كان سائداً بين الفصائل الفلسطينية ذات الطابع العلماني التي كانت تضطلع بأعمال المقاومة الفلسطينية، وبين الحركة الإسلامية. وكيف وفّقت بين الاثنين؟
ــ لم يكن هنالك تناقض. ربما كان ذلك ظاهر الأمر. ولكن في الواقع لم يكن تناقضا، إنما كانت الساحة تسودها أو تغلب عليها، على صعيد العمل المقاوم، فصائل الثورة الفلسطينية. وعلى صعيد الفكر، كان يغلب الفكر القومي الذي آل، في بعض محطاته ومساحاته، إلى الفكر اليساري والماركسي.
ولا شك أنه كان هنالك في تلك الفترة ضمور وانسحاب للتجربة الإسلامية في الميدان الفلسطيني. بالطبع، كان لذلك مسبباته التي قد لا يتسع المجال للخوض في تفاصيلها، وأهمها أن التيار الإسلامي كان مضروبا في تلك الفترة وملاحقا من قبل الكثير من الأنظمة، والتوجه العام كان ينزع نحو القومية واليسارية.
هذا الأمر بالذات هو الذي أوجد عندي التحدي. كنت مقتنعا بضرورة الأداء الوطني ومقاومة الاحتلال، والتعبير عن مشاعري في خدمة القضية والعمل لها، وخاصة في الميدان العسكري. في الوقت نفسه كنت مقتنعاً بالفكر الإسلامي، الذي يشكل هويتي وانتمائي وتاريخي وأصالة أمتي.
لكن كانت الفجوة أن هذا الفكر الإسلامي ليس له الحضور المطلوب آنذاك، بصرف النظر عن الأسباب المرتبطة بكون الحركة الإسلامية مضطهدة ومضروبة وملاحقة. تلك الفجوة شكلت تحديا أمامي: لماذا هذا الغياب الإسلامي عن الساحة الفلسطينية، رغم أن التجربة الإسلامية كانت حاضرة في محطّات عدة في مسار الثورات الفلسطينية، في 1929، وفي 1936، وفي المعارك التي خاضها »الإخوان المسلمون«، والإسلاميون الفلسطينيون وغير الفلسطينيين، في العام 1948.
ولاحقا كانت بدايات »فتح« ذاتها بدايات إسلامية، وخاصة في قطاع غزة بالذات، وفي »معركة القنال«. حتى بعد الــ67 كانت هناك »معسكرات الشيوخ« في الأردن.
كل تلك المحطات معروفة. لكن فترة دخولي العمل الوطني الفلسطيني، أواخر الستينات ومطلع السبعينات، لم تكن فيها تجربة إسلامية متبلورة في الساحة الفلسطينية.
وذلك خلق لديّ ولدى جيلي، والكثير من زملائي وإخواني، ذلك التحدي المتعلق بالسعي إلى بلورة تجربة إسلامية في الإطار الوطني الفلسطيني. وهو تحدّ تهيأت ظروفه في الداخل والخارج. في غزة أساسا، وفي الضفة أيضا، وفي مختلف ساحات الشتات الفلسطيني، والكويت بشكل خاص، لأن الساحة الكويتية كانت تضم جالية فلسطينية كبيرة، وكانت تتفاعل مع القضية الفلسطينية بشكل بارز، وكان هامش الحرية المتاح كبيراً جداً.
بعد أن دخلت الجامعة في العام 1974، بدأنا نطرق أبواب هذه التجربة الإسلامية الفلسطينية بشكل ملموس، حيث دخلنا اتحاد طلبة فلسطين عبر قائمة مستقلة، كنتُ على رأسها، أسميناها »قائمة الحق الإسلامية«.
وتطورت تلك التجربة لاحقاً إلى »الرابطة الإسلامية لطلبة فلسطين«. ثم في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات، بدأنا نصوغ مشروعنا السياسي الفلسطيني ـ الإسلامي المستقل. نصوغه في غزة، في الضفة، في الكويت، وفي ساحات الشتات الأخرى. ولقد أكرمني الله تعالى بأنني أسهمت مع إخواني، بالداخل والخارج، في تأسيس مشروع (حماس).
٭ الشيخ عبد الله عزام شخصية اخوانية معروفة وكانت له تجربة سابقة في مجال العمل العسكري الفلسطيني. ما هو تقييمكم في (حماس) لتلك التجربة؟
ــ الشيخ عبد الله عزام رحمه الله من خيرة الرجال. هو في شخصيته رجل فذ، لأنه كان يجمع بين العلم والعمل، وهو قدوة في كل ذلك. فبقدر تميزه في علمه وجرأته في الحق.. بقدر تميزه أيضاً في سلوكه وأدائه. لقد جمع بين الدعوة وبين الجهاد. كان دائما متقدما في كل ذلك. وكان في سلوكه الشخصي اليومي يتسم بالزهد والتواضع والعبادة والتخفف من الدنيا. لقد كان بالفعل قدوة على مدى أجيال.
الشيخ عبد الله عزام طرق باب العمل الفلسطيني، وكان من أبرز من شاركوا في تأسيس »معسكرات الشيوخ« والعمل فيها، من 1968 إلى 1970. ولكن بعد ذلك، لم يُقدّر لهذه التجربة أن تستمر وأن تتطوّر، بعدما خرجت المقاومة الفلسطينية من الأردن. من هنا، يبدو أن رجالات الحركة الإسلامية لم يجدوا الفسحة اللازمة لمواصلة تلك التجربة.
حتى لا نظلم الناس، دعنا نقول إن قناعة رجال الحركة الإسلامية بالقضية الفلسطينية والجهاد على أرضها ومقاومة الاحتلال هي قناعة راسخة، وليست موضع جدل. لكن الإشكال كان في القدرة على ترجمة ذلك إلى تجربة عملية. ربما الواقع في تلك المرحلة كان أصعب عليهم. لذا، لم يستطيعوا مواصلة تلك التجربة في ظل الظروف القاسية التي واجهتهم آنذاك.
نحن بالطبع استفدنا من تجربتهم ومن خبرتهم، وبنينا عليها، إلى أن نجحنا في تأسيس هذه التجربة الإسلامية، حين نضجت ظروفها. واستمرت مرحلة مخاض تلك التجربة إلى غاية نضجها، طيلة عقد السبعينات والنصف الأول من الثمانينات.
ثم انطلقت رسميا عام 1987، في ظل الانتفاضة، تحت عنوان »حركة حماس«. كانت الحركة قد تأسست في الحقيقة، مطلع الثمانينات، لكن قرارها نضج بشكل رسمي في منتصف الثمانينات، وانطلقت بشكل علني عام 1987.
دمشق ــ تيسير أحمد
