حاول الرئيس الأميركي جورج بوش في خطابه عن »حالة الاتحاد« رسم »خريطة طريق« للعام 2006 أمام الأميركيين في ما يتعلق بالسياسات الداخلية، مع قرب الانتخابات النصفية للكونغرس، وكذلك الخارجية، فبعد تأكيده على ضرورة أن تكون للولايات المتحدة في العام الجديد »زعامة هجومية« لحمايتها من التهديد الإرهابي والمنافسة الاقتصادية العالمية،
مشددا على البقاء في العراق وعدم »الانسحاب المفاجئ«، وضرورة استمرار الإصلاحات الديمقراطية التي جرت في مصر والسعودية وفلسطين، مع رغبته في صداقة مع »إيران ديمقراطية«. ورأى أن هذه »الزعامة« لا تكتمل ببقاء تبعية بلاده النفطية للشرق الأوسط.
وأكد الرئيس بوش في خطابه الذي ألقاه في وقت مبكر من فجر أمس عن حالة الاتحاد أهمية »زعامة« الولايات المتحدة للعالم بهدف استعادة ثقة الناخبين الذين سيصوتون في نوفمبر المقبل لانتخاب نصف أعضاء مجلسي النواب والشيوخ.
ورأى أن هذه »الزعامة« تمر بتقليص تبعية بلاده النفطية للشرق الأوسط بنسبة 75 في المئة خلال 20 عاما، وهو الإعلان العملي الوحيد الذي يتمتع ببعد دولي في خطابه السنوي أمام »الكونغرس« الذي كان أشبه بمحاولة للدفاع عن عمل يتعرض لانتقادات شديدة،
وقال إن »الوسيلة الوحيدة لحماية شعبنا، الوسيلة الوحيدة لضمان السلام، الوسيلة الوحيدة للتحكم بمصيرنا هو زعامتنا. البديل الوحيد للزعامة الأميركية هو عالم أكثر خطورة وأشد قلقاً«. وشدد أمام أعضاء مجلسي »الكونغرس« وكل سياسيي الولايات المتحدة على أنه يعتزم ممارسة هذه القيادة في نضاله ضد الإرهاب ومن أجل نشر الديمقراطية.
واستبعد الرئيس الأميركي »انسحاباً مفاجئاً« من العراق، مشيدا في خطابه بالعسكريين الوطنيين أمام عدد كبير من المحاربين القدامى في العراق وأفغانستان وأقرباء الجنود القتلى. وشدد على أن الولايات المتحدة ستبقى في العراق »كي تربح«، وأكد أن »النصر هو الطريق الذي سيعيد قواتنا إلى البلاد«.
واستبعد انسحاباً سريعاً يمكن أن »يترك حلفاءنا العراقيين للموت أو السجن، وسيمنح سلطة لرجال مثل بن لادن والزرقاوي في بلد استراتيجي وسيظهر أن كلمة أميركا لا تعني شيئا كبيرا«.
واستخدم بوش الخطاب ليتحدى الديمقراطيين ومنتقدي الحرب الآخرين الذين يتهمونه بتضليل الشعب الأميركي حول إسقاط نظام صدام حسين بسبب امتلاكه أسلحة دمار شامل، فقال إن »هناك فرقا بين النقد المسؤول الذي يهدف إلى النجاح والانهزامية التي ترفض الاعتراف بكل شيء غير الفشل«.
وشدد على التقدم الذي تحقق في نقل العراق من النظام الديكتاتوري إلى الديمقراطية في اقل من ثلاث سنوات. وتابع: »نحقق تقدما على الأرض والقوات العراقية تتحمل المزيد من المسؤوليات. علينا أن نكون قادرين على تقليص مستوى قواتنا لكن هذه القرارات ستتخذ من قبل قادتنا العسكريين وليس من قبل سياسيين في واشنطن«.
وقال إن إحلال الديمقراطية في الشرق الأوسط هو الطريق الوحيد للقضاء على »النظرة الظلامية للكره والخوف« التي ينشرها »الإرهابيون«، مضيفاً أن الولايات المتحدة »تدعم الإصلاح الديمقراطي في الشرق الأوسط«، وأكد على أن »الانتخابات حيوية لكنها ليست سوى بداية الطريق«.
ورأى أن »الشعب المصري العظيم صوت في انتخابات رئاسية تعددية وعلى حكومته أن تفتح الآن الطريق أمام معارضة سلمية ستؤدي إلى الحد من إغراء التطرف«. وأضاف أن »السعودية خطت الخطوات الأولى للإصلاح ويمكنها الآن أن تقدم لشعبها مستقبلا أفضل عبر تعزيز هذه الجهود«.
وفي السياق ذاته، دعا حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية »حماس« التي فازت في الانتخابات الفلسطينية الأسبوع الماضي إلى نزع أسلحتها ورفض الإرهاب والاعتراف بإسرائيل، وقال إن »الشعب الفلسطيني صوت في انتخابات وعلى قادة حماس الآن الاعتراف بإسرائيل ونزع أسلحتهم ورفض الإرهاب والعمل من اجل سلام دائم«.
وبعد أربع سنوات من تصريحه حول »محور الشر« الذي أدرج فيه إيران والعراق في عهد الرئيس السابق صدام حسين وكوريا الشمالية، قال بوش في خطابه حول حال الاتحاد إن إيران وسوريا وميانمار وزيمبابوي وكوريا الشمالية تشكل »النصف الآخر« لعالم ديمقراطي في معظمه.
وشدد على أن إيران »أمة رهينة بين أيدي قلة من رجال الدين تعزل شعبها وتقمعه«، مضيفاً القول: »هذه الليلة أتوجه مباشرة إلى المواطنين في إيران: أميركا تحترمكم وتحترم بلدكم ونحترم حقكم في اختيار مستقبلكم وكسب حريتكم«، مرددا تصريحات مماثلة أدلى بها في خطابه العام الماضي،
مؤكدا أن »بلدنا تأمل أن تكون يوما ما أقرب صديقة لإيران حرة وديمقراطية«. وقال إنه »يتعين على العالم ألا يسمح« لإيران بامتلاك أسلحة نووية. وأضاف ان »أميركا ستستمر في حشد العالم لمواجهة هذه التهديدات«.
وعلى الصعيد الداخلي الأميركي، حذر الرئيس بوش، في خطابه الذي استمر 52 دقيقة، من أن الحمائية في التجارة ستجعل الولايات المتحدة »اقتصاداً من الدرجة الثانية« مؤكداً على أهمية المحافظة على القدرة التنافسية،
بقوله: »سنختار بناء ازدهارنا عبر قيادة اقتصاد العالم ولن نعزل أنفسنا عن التجارة والفرص الاقتصادية«، وأن »طريق الانعزالية والحمائية قد تبدو مغرية في زمن مليء بالتعقيدات والتحديات، لكنه ينتهي بخطر وانهيار«.
ولم يعلن بوش أي خطط عملية أو إصلاحات كبرى يمكن أن يضر فشلها بالجمهوريين في انتخابات نوفمبر المقبل سوى خطته خفض واردات النفط الأميركية من الشرق الأوسط بنسبة 75 في المئة بحلول 2025، وأن يقلع الأميركيون عن »إدمان النفط« عبر تطوير مصادر بديلة ونووية للطاقة، حيث قال في هذا الشأن: »نواجه مشكلة خطيرة. أميركا مرتبطة أكثر من اللازم بالنفط الذي يأتي من مناطق غير مستقرة في العالم«.
وكشف الرئيس الأميركي عن خطة تهدف إلى الإبقاء على الاقتصاد الأميركي كأكبر اقتصاد في العالم وتشمل تخفيضات جديدة للضرائب وتخصيص المزيد من الأموال للتعليم والأبحاث. واعترف بتزايد المنافسة التي تواجهها الولايات المتحدة على الصعيد الاقتصادي من جانب قوى جديدة مثل الصين والهند
في حين نفى »المزاعم بأن يكون للمهاجرين هذا التأثير السيئ على الاقتصاد«، بقوله إن الاقتصاد الأميركي وفر خلال العامين ونصف العام الماضيين 4.65 ملايين وظيفة وهو ما يزيد عما وفرته اقتصاديات اليابان والاتحاد الأوروبي مجتمعة واستطاع الحفاظ على قوته خلال العام الماضي رغم ارتفاع أسعار الطاقة والكوارث الطبيعية المدمرة.
وكشف عن خطة موسعة لزيادة القدرة التنافسية للاقتصاد الأميركي من خلال ضخ أكثر من 136 مليار دولار في مجالي التعليم والأبحاث خلال السنوات العشر المقبلة.
وتتضمن هذه المبادرة مضاعفة حجم الإنفاق الحكومي في مجال العلوم الطبيعية خلال العقد المقبل من أجل الوصول إلى المقدمة والمحافظة عليها في مجال تكنولوجيا الجزيئات الدقيقة والكمبيوتر فائق القوة، فضلا عن تشجيع استثمارات القطاع الخاص في مجال الابتكار والعمل من أجل تحسين مستوى الأطفال الأميركيين في مجالي العلوم والرياضيات.
كما دعا أعضاء »الكونغرس« إلى تثبيت التخفيضات الضريبية التي أقرتها إدارته في وقت سابق لتصبح دائمة باعتبارها حيوية لاستمرار النمو الاقتصادي،
مشيرا إلى أنها وفرت للأميركيين 880 مليار دولار خلال السنوات الخمس الماضية. وقال إن الموازنة الجديدة التي تقترحها إدارته ستخفض الإنفاق خارج الأمن القومي وستقلل أو تلغي أكثر من 140 برنامجاً حكومياً.
