قدمت صحيفة »هآرتس« الإسرائيلية قراءة للانتخابات التشريعية الفلسطينية، قالت فيها إن عُرس الديمقراطية الفلسطينية انما هو حفلة تنكرية تشارك فيها السلطة الوطنية الفلسطينية واسرائيل والعالم لتكريس الاحتلال وتمويله بالصدقات بواسطة دولة الكرتون المقبلة.

وأضافت ان المشاركة الاسرائيلية والعالمية في احتفالات الديمقراطية الفلسطينية، والتقارير حول مجرى الانتخابات والتحليلات الواردة لنتائجها وما سيترتب عليها، هي بلا شك ردود فعل وأصداء مفهومة حول حدث يعتبر »تاريخيا«: فما الذي يمكنه أن يكون أكثر أهمية وإثارة للآمال من عملية ديمقراطية تُنصّب أخيرا نظاما نظيفا من الفساد ورافضا للعنف ومناديا بالتسوية - ولذلك يمكن له أن يكون »شريكا«؟

وتابعت: صحيح أن مشاركة حماس تُفسد الاحتفالات قليلا وتثير تساؤلات حول »المرحلة التالية« التي يضطر فيها الاسرائيليون لمواجهة قضية الاتصالات مع منظمة ارهابية.

ولكن بعد اعادة التفكير، قد تخدم هذه النتيجة بالتحديد المصلحة السياسية الاسرائيلية لأن ضم حماس لحكومة السلطة الفلسطينية سيؤكد الاستراتيجية أحادية الجانب التي ترتكز عليها احزاب »الوسط« الإسرائيلي (كاديما والعمل) ودعايتهما الانتخابية: بما أن حماس تنادي بتدمير اسرائيل، فمن حق اسرائيل اذن أن ترسم حدودها الدائمة بنفسها، لأنه ليس لها »شريك« في ذلك.

وقالت ان ترسيم الحدود الدائمة وفقا لاعتبارات تضمن غالبية يهودية، يلزم الى جانب وضع هذه الحدود وفقا للمصالح الاسرائيلية، بالابقاء على مناطق مأهولة بالسكان الفلسطينيين على أمل أن يوافق طرف ما على ادارتها، وأن تكون فيها شروط مادية وسياسية دنيا لإتاحة السيطرة عليها.

لأنه اذا لم يكن الأمر كذلك، فلن تتمكن اسرائيل من التنصل من مسؤوليتها عن مصير مليوني انسان، وبذلك يضيع سعيها للخلاص من شبح الدولة ثنائية القومية.

وأوضحت ان هذا هو الدور الذي تُعده اسرائيل للسلطة الفلسطينية، وهذا هو سبب إبراز الانتخابات وكأنها تجري في دولة سيادية تقوم بانتخاب »برلمانها« و»حكومتها«. من المعروف بالفعل أن الفلسطينيين ينتخبون لانفسهم »لجنة اجتماعية« مجردة من الصلاحيات السلطوية وتُدير منطقة خالية من السيادة، ولكن هذا،

كما يُلمحون، ليس إلا مرحلة تمهيدية للحظة التي تكلف فيها اسرائيل خاطرها وتفك ارتباطها بصورة أحادية الجانب عن المناطق التي لا تهتم بها. عندئذ ستتحول السلطة الى حكومة تفرض سيادتها على المناطق المحررة من »الدولة الوطنية« الفلسطينية وفقا لتصور.

وأضافت انه ليس هناك حدود للمهزلة، فاسرائيل التي رفضت في ايام اوسلو أي استخدام لمصطلحات مثل الحكومة والبرلمان والرئيس ورئيس الوزراء - التي تشير الى وجود السيادة - تقوم بالتأكيد على هذه المفاهيم الآن حتى تُكرس الوهم بأن هناك حكومة فلسطينية ستنتظر على أهبة الاستعداد - وإن لم تكن شريكة - لالتقاط الفتات الذي تلقيه لها اسرائيل بعد أن ترضي مطامحها الديمغرافية.

لم يكن تحول ايهود اولمرت وتسيبي لفني فجأة الى »أنبياء الدولتين القوميتين الاسرائيلية والفلسطينية« صدفة عابرة، بينما يعارض الفلسطينيون الاعلان عن دولة فلسطينية في الظروف القائمة.

وتابعت: هناك سبب آخر لاهتمام اسرائيل الصارخ في تكريس الوهم حول الحكومة الفلسطينية ومراهناتها السيادية: اذا لم تكن هذه الدولة قائمة، فان مصادر الدعم الخارجي ستجف، ويكشف النقاب عن حقيقة أن الاحتلال الاسرائيلي المباشر وغير المباشر يحصل على تمويله كليا من خلال ميزانية »الدول المانحة«.

150 ألف شخص يُعيلون نصف مليون نسمة يحصلون على رواتبهم مباشرة من السلطة الفلسطينية، ونفس هذا العدد يعيش من الصدقات الخارجية. لو كانت اسرائيل قد أُرغمت على الوفاء بالتزاماتها كدولة عظمى احتلالية لكان عليها أن تدفع مليار دولار سنويا فقط من اجل استمرار الخدمات المقدمة للسكان في الضفة الغربية.

ولكن إسرائيل كرست سابقة دولية: الاحتلال يُموّل بالكامل من خلال الأسرة الدولية، وهناك مصلحة فلسطينية - اسرائيلية - دولية مشتركة في منح الشرعية لنظام توزيع التقسيم - الخيري هذا بواسطة الانتخابات: المؤسسة الفلسطينية قادرة على الابقاء على الجهاز الفاسد الذي يُدير توزيع الصدقات،

والاسرائيليون يستطيعون المواظبة على الاحتلال الذي لا يكلفهم شيئا، والأسرة الدولية تواصل العيش في وهْم: لا مفر أمامنا اذا أردنا الابقاء على الأمل بالسلام، ذلك لأن انهيار السلطة وتشرذم السكان يُزيل أي فرصة للتغيير.

وختمت: وهكذا، يتواصل احتفال الديمقراطية برقابة مئات المراقبين الدوليين، دورهم محدود لمراقبة الديمقراطية الداخلية الفلسطينية. ولكن، حذارِ من أن يتجرأوا على »مراقبة« الحواجز والجدار والبؤر الاستيطانية. مجرد وجودهم هنا يشير الى أنهم لا يفهمون أن ملابسهم الزرقاء ووجودهم ذاته يكرس الحفلة التنكرية التي تجري هنا.

القدس المحتلة ــ البيان