لم تترك حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) خطأ لم ترتكبه، منذ بدء حصار زعيمها التاريخي الراحل ياسر عرفات، ما أفضى إلى وصولها إلى ما يشبه الحوت المنتحر.
هنا، لن نذكر محاسن الحركة العريقة التي أسست لأفولها بإصرار عجيب، بل نكتفي بالإشارة إلى أنها أثبتت أنها معفاة من وباء الاستبداد السلطوي والتزييف الديمقراطي، بدلالة هذه الانتخابات النزيهة والشفافة .ما يعنينا محاولة تتبع مخاطر الهزات الارتدادية للزلزال السياسي الذي ضرب المناطق الفلسطينية المنكوبة أصلاً بالاحتلال.
الخطيئة الكبرى التي ارتكبتها »فتح« بعد غياب قرارها المركزي على اثر حصار ووفاة عرفات، هو السماح لآفة الترهل بالتغلغل في صفوفها، ما أعطى الفرصة كاملة لبروز مختلف أشكال التدهور إلى الخلف: شللية، عصابات مسلحة تمارس البلطجة باسم أجنحة عسكرية لا يعرف بعد من أسسها
ولمن تتبع تنظيميا، صراع على ناصية القرار السياسي بين قادة ميدانيين متمردين وبيروقراطيين اشتهروا بمباهاة الإسرائيليين بجودة ربطات العنق، تمييز يصل إلى حد العنصرية بين »أبناء الداخل« و»القادمون من الخارج« وكأنهم من جنس بشري آخر، وهو التمييز الذي حاول مرتكبوه تمويهه بشعار »الحرسين القديم والجديد«.
كل ذلك، يحدث بين الناس، وابن الشارع يرقب هذه الممارسات ويضع يديه على قلبه: أهؤلاء هم من سيحررون الأرض ويبنون الدولة؟! على الجانب الآخر، انشغلت الإدارة الأميركية في ورطتها العراقية، وأرسلت أوراق القضية الفلسطينية إلى أدراجها الخلفية،
ولم تقدم على اي بادرة لتحريك عملية السلام، وبدلا من ذلك وجهت سلسلة من الرسائل المستفزة للرأي العام الفلسطيني أبرزها: شارون رجل سلام، ووديعة ضم المستوطنات لإسرائيل.
أما الاحتلال الإسرائيلي فلم يوفر وسيلة لإفشال السلطة الفلسطينية وإحراجها أمام شعبها، فزاد من وتيرة العدوان بعشرات الشهداء منذ إعلان الهدنة قبل أكثر من عام، وتشديد الخناق على لقمة عيش الفلسطينيين وزرع أراضيهم بحواجز الإذلال، كل ذلك لإثبات فشل »السلطة« و»فتح«،
وبالتالي دفع الفلسطينيين لاختيار نقيضهما، أي حماس، ظنا ان صورتها السلبية على المستوى الدولي، ستساعده في إقناع العالم بعدم وجود »شريك سلام« ما يبرر فرض الحلول الأحادية الجانب.
إذا أضيف إلى ذلك، نهج الهجوم اللاذع لحركة »حماس« على »فساد السلطة الوطنية وفتح«، بينما هي تتخفى وراء خطاب سياسي مزدوج بالزهد في السلطة ونفي السعي إليها، فيما على الأرض هي تؤسس لسلطة موازية، لم تلتزم بالقرار الداخلي ولم تعترف يوما بشعار »سلطة واحدة وسلاح واحد«.
الآن »حماس« تدخل الاختبار الحرج لمصداقيتها، وعليها هي ان تفسر هذا التناقض: منذ انطلاقة الحركة في العام 1978 وهي تجر الشارع الفلسطيني إلى خطابها السياسي والإيديولوجي، القائم على تخوين منظمة التحرير الفلسطينية واتهامها بالتفريط بحقوق الشعب الفلسطيني بارتضائها دولة على حدود العام 1967، بينما هي تعلن ليل نهار تمسكها بفلسطين من النهر إلى البحر.
كان فريق اوسلو في أدبيات »حماس« يعدل في مقدار الكراهية فريق ارييل شارون، وبناء على كل ذلك رفضت المشاركة في المؤسسات الفلسطينية وتخندقت في شعار »فلسطين إسلامية«.
الآن سارت الحركة على الطريق الذي كانت حرمته، وهي على هذا تقترب من الواقعية، لكنها تحتاج الآن إلى تفسير تبعات هذا التغير الدرامي في خطها السياسي والإيديولوجي.
هي مكلفة الآن تشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة، وهي مكلفة الآن ملف التفاوض، إلا أن قررت مقاطعة لجنة شؤون المفاوضات في منظمة التحرير لتدخل الفلسطينيين في شلل داخلي وحرج دولي . الآن هي مكلفة تأمين لقمة عيش الفلسطيني إلى جانب تحرير أرضه.
فيما يخص الأزمة الاقتصادية فان لا مجال لأي سلطة ان تنجح في تخفيف البطالة من دون مساعدات دولية (أوروبية وأميركية) وهو ما يبدو شبه مستحيل في ظل إدراج الحركة على قوائم »الإرهاب«، وبالتالي فلا خيار لها سوى اللجوء إلى حلفاء أصوليين مثل إيران لتخاطر بالمزيد من العزلة للفلسطينيين، أو أن تلقي السلاح وتلتزم ببرنامج منظمة التحرير، ليعود الفلسطيني إلى التساؤل عما يميزها عن غيرها من الفصائل الفلسطينية وكيف منحها ثقته.
الآن سيتعين على »حماس« ان تختبر صعوبة امتلاك السلطة والقرار، بعدما استسهلت جر الشارع إلى مجرد شعارات من مقاعد المعارضة أو منابر المساجد والمؤتمرات الجماهيرية.
الآن سيكون عليها ان تتدرب على الفارق الخطير بين الدبلوماسية والمبادئ..حين يكون عليها إنقاذ شعب جائع لكل شيء بدءا من لقمة الخبز إلى الكتاب إلى حرية لا تعترف بقيود أيديولوجية، كيف لا وفلسطين لم تكن يوما إلا ارض التعددية.
خالد أبوكريم