تشكل الانتخابات التشريعية الفلسطينية معضلة كبرى بالنسبة لواشنطن بسبب احتمال أن تحقق حركة المقاومة الإسلامية »حماس« التي تصنفها منظمة إرهابية فوزاً كبيراً فيها.

ورغم أنها تشجع على انتشار الديمقراطية في العالم، تنظر واشنطن بحذر إلى ترشيح عناصر »حماس« إلى الانتخابات لأنها تصنف الحركة الإسلامية على لائحة المنظمات الإرهابية. كما أنها تعتبر أن رفض »حماس« الاعتراف بحق إسرائيل بالوجود وشن هجمات عليها يتعارض مع الأنشطة السياسية.

ويؤكد المسؤولون الأميركيون انه لن يكون لهم علاقة ب »حماس« حتى لو سجلت مكاسب انتخابية كبيرة، كما هو متوقع، أو طالبت بلعب دور في الحكومة الفلسطينية.

إلا أن الولايات المتحدة أيدت قرار رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس السماح لـــ »حماس« خوض الانتخابات موضحة أن ذلك شأن داخلي كما أنها ضغطت على إسرائيل لكي لا تعمد إلى عرقلة الانتخابات.

وقالت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس »أعتقد بأنه (عباس) يحاول أن يسمح بإجراء الانتخابات بطريقة نزيهة و عادلة. اعتقد بأن هذا أمر مناسب«.

وتحاول الإدارة الأميركية مساعدة عباس والسلطة التي تهيمن عليها حركة فتح في مواجهة التحدي الذي تمثله »حماس« . وبقيت واشنطن منهمكة في متابعة الأوضاع حتى انتقال قطاع غزة إلى السيطرة الفلسطينية ومارست ضغوطاً على إسرائيل لمنح مزيد من التنازلات في مسألة حرية التنقل وقضايا أخرى.

كما أن الإدارة الأميركية ساعدت عباس في مسائل العلاقات العامة وقدمت نصائح إلى السلطة حول كيفية توصيل رسالتها، وفقا لما أعلنه مسؤولون.وفي الوقت ذاته، ثابرت الإدارة الأميركية على إرسال رسائل إلى الناخبين الفلسطينيين مفادها أن فوز »حماس« قد يعرض محادثات السلام مع إسرائيل للخطر ويقوض إمكانية قيام دولة فلسطينية.

وفي السر، يعرب مسؤولون أميركيون عن اعتقادهم بأن لعب دور سياسي قد يخفف من تشدد »حماس« . ورغم ازدياد دعواتهم التي تطالب »حماس« بالتخلي عن العنف، لا يؤكد المسؤولون ما إذا كان ذلك سيسفر عن إجراء اتصالات أميركية معها.

أدت هذه المقاربة الملتبسة تجاه »حماس« إلى انتقادات يشنها محللون من طرفي النزاع.ويعتبر مدير معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى روبرت ساتلوف ذلك تراجعا واضحا عن السياسة التي كانت متبعة مع منظمة التحرير الفلسطينية بزعامة ياسر عرفات.

وقال ساتلوف خلال لقاء مع مجلس العلاقات الخارجية إن واشنطن جاهزة لإضفاء الشرعية السياسية على »حماس« قبل أن تعترف هذه الأخيرة بإسرائيل وتدين العنف كما كانت منظمة التحرير أرغمت على ذلك قبل عقود عدة.

وأضاف »إننا نتراجع إلى الوراء 20 عاماً في طريقة التعامل مع لاعب فلسطيني مهم«.إلا أن خبراء آخرين في شؤون الشرق الأوسط يطالبون واشنطن بتشجيع علني للتطلعات السياسية لـــ »حماس« التي تخوض الانتخابات تحت شعار »الإصلاح والتغيير«.

ويؤكد هؤلاء أن تهميش »حماس« سيؤدي إلى نتائج عكسية ومزيد من العنف كما يحصل مع جماعات العرب السنة في العراق.وحضت مجموعة الأزمات الدولية، ومقرها بروكسل، في تقريرها الاسبوع الماضي الإدارة الأميركية والأسرة الدولية على التحرك باتجاه سياسة قوامها »تفاعل تدريجي ومشروط« مع »حماس« .

واعتبرت المجموعة أن »المقاربة الملتبسة حاليا، أي مقاطعة »حماس« في وقت نساعد على تسهيل مشاركتها الانتخابية من دون طلب أي نوع من تنازلات مماثلة، لا معنى لها على الإطلاق«.

لكن محللين آخرين يقترحون بأن تضع واشنطن سلسلة من المعايير لـــ »حماس« بهدف تقييم مدى التزامها بالعملية السياسية والحل الدبلوماسي للنزاع مع إسرائيل.

وأضافوا أن بين الاقتراحات الآيلة إلى بناء إجراءات الثقة، موافقة »حماس« على تمديد الهدنة والامثتال لحظر علني على مظاهر الأسلحة ووقف تهريب السلاح وإنتاجه وقطع العلاقات مع إيران وسوريا.

وقال حاييم مالكا من مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية انه إذا لبت »حماس« هذه المعايير فسيكون بإمكان الولايات المتحدة إعادة النظر في إجراء اتصالات مع قيادتها وإسكات الأصوات الداعية إلى تفكيكها.

وكتب مالكا في فصلية »واشنطن كوراترلي« إن ذلك سيشكل بعداً جديداً في الجهود الأميركية السلمية ويسفر عن »ركائز عملية تساهم في تحول منظمة إرهابية إلى لاعب سياسي مسؤول«.