منذ أجيال والمتسوقون اللبنانيون يزورون سوريا لشراء مخزونهم من المواد الغذائية والملابس وحتى الأثاث بأسعار منافسة. ولكن الكثيرين أحجموا عن القيام بهذه الرحلة منذ اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري في فبراير الماضي مما أدى إلى فتور في العلاقات بين البلدين والتي كانت تتسم بالدفء في وقت مضى.
قال حسن, وهو سائق لبناني لديه سبعة من الأبناء يعيشون في لبنان, »كنت أشتري كل شيء من سوريا. كانت زوجتي وبناتي يتوجهن إلى هناك كل بضعة أسابيع لشراء الطعام والملابس ومسحوق الغسيل لأن أسعارها أقل من النصف«. وأضاف »لم نذهب إلى هناك منذ مقتل الحريري لأننا سمعنا أنهم يسبون ويهينون اللبنانيين.
أنا أيضا خائف جدا لدرجة تمنعني من السماح لأسرتي بالذهاب إلى هناك ولكن هذا مكلف بالنسبة لنا. لا يمكننا شراء كل الأشياء التي كنا معتادين على شرائها«.ومع بلوغ التوترات بين سوريا ولبنان أعلى المستويات خاصة منذ توريط تحقيق تجريه الأمم المتحدة لمسؤولين سوريين كبار في اغتيال الحريري بدأ التجار السوريون يشعرون بالمعاناة.
قال مدير سلسلة متاجر »ماجيلا« السورية للملابس »كان اللبنانيون يحضرون أيام السبت والأحد في مجموعات وكنا نستفيد كثيرا ولكن الحركة التجارية وصلت الآن إلى 40 في المئة مما كانت عليه«.والأسعار في سوريا التي تتمتع فيها الكثير من القطاعات بالدعم الحكومي لا تقارن بالأسعار في لبنان حيث يمكن أن تتخطى فاتورة مطعم فاخر في بيروت الراتب الشهري المعتاد لموظف حكومي سوري.
واعتاد اللبنانيون غير ميسوري الحال التوجه إلى سوريا لشراء خزين من الزيت أو الحبوب أو مساحيق الغسيل التي تباع بأسعار أقل من نصف الأسعار في بلدهم. كما أن سوريا تشتهر بمنسوجاتها وكان اللبنانيون يتدفقون على المتاجر هناك لشراء المفروشات والملابس الداخلية. كما أن أثواب الزفاف السورية تلقى رواجاً كبيراً بين عرائس لبنان اللاتي قد يضطررن لدفع آلاف الدولارات لاستئجار ثوب في بيروت.
ومع عدم توفر احصائيات تفصيلية من الصعب قياس تكلفة توتر العلاقات السياسية على كل من الاقتصاديين السوري واللبناني ولكن التجار على الجانبين يشعرون بأثر ذلك بشدة.في عام 2004 كانت سوريا ثالث أكبر سوق للصادرات اللبنانية خاصة الاسمنت والمنتجات الورقية ومواد التغليف. ويستورد لبنان من سوريا الماشية والبنزين والمعادن والكيماويات.
ويقول التجار اللبنانيون الذين يصدرون بضائع إلى العراق، أكبر متلق للصادرات اللبنانية عام 2004، وتركيا والخليج أنهم ضحايا للسياسة لأن طريقهم البري الوحيد هو عبر سوريا. أما الحدود مع إسرائيل فإنها مغلقة لأن الدولتين في حالة حرب.
وفي صيف 2005 أظهرت سوريا كيف يمكنها أن تجعل الحياة صعبة على لبنان من خلال تعطيل المئات من الشاحنات اللبنانية على الحدود لأسابيع خلال تدني العلاقات الدبلوماسية.قال نبيل سكر العضو المنتدب في المكتب الاستشاري السوري للتنمية والاستثمار »إنهم يفتقدوننا كما نفتقدهم، مع تنحية السياسة جانباً فإن هناك فائدة يجنيها الجانبان، انها متبادلة، عندما تعود المياه لمجاريها سنعود إلى العلاقة التي يستفيد منها الجانبان«.
وليس هناك عدد يذكر من اللبنانيين الذين يمكن أن يسردوا وقائع عن تعرضهم للمضايقات ولكن أغلبهم سمعوا أنهم لم يعودوا موضع ترحيب في سوريا.كان الكثير من اللبنانيين يستأجرون معا سيارات أجرة للرحلة بين بيروت ودمشق التي تستغرق ساعتين مقابل عشرة دولارات ولكنهم توقفوا حتى عن زيارة الأضرحة الدينية الشيعية التي كانت تجتذب الكثير من الزوار.
تقول وزارة السياحة السورية ان عدد السائحين الذين يزورون سوريا ارتفع 12 في المئة عام 2005 ولكن عدد الزائرين اللبنانيين انخفض 25 في المئة مقارنة بالعام الماضي.قالت أمل ناصر »كنت أزور ضريح السيدة زينب (بنت علي بن أبي طالب) في العطلات الدينية ولكني كنت خائفة جداً هذا العام بحيث لم أتوجه إلى هناك لأننا سمعنا أنهم يضايقون اللبنانيين«.
وأضافت »كنا نذهب كمجموعة ونقيم في فندق ونتناول العشاء ونقوم بالتسوق ونعود إلى بلادنا ومعنا أموال متبقية. كنا نشتري كل شيء من هناك. الآن علينا أن ندفع، لا يمكن لأحد تحمل هذا«.كذلك فإن السوريين بدأوا يتجنبون زيارة لبنان خشية الاستقبال الفاتر بما أن الكثير من اللبنانيين يتهمون دمشق بمسؤوليتها عن اغتيال الحريري ويستاؤون من سنوات من الهيمنة السياسية والاقتصادية لسوريا على بلادهم.
(رويترز)