في صباح 11 يناير 1992 فوجئ الجزائريون برئيسهم آنذاك الشاذلي بن جديد يقدم استقالته لرئيس المجلس الدستوري عبد المالك بن حبيلس، ويعلن انسحابه التام من الساحة السياسية,كان الحدث غريبا جدا، ليس فقط لأن تلك الاستقالة كانت الأولى من نوعها في تاريخ البلاد،

بل لأن الرئيس كان قبل أيام قد أكد بأنه باق في الحكم بصرف النظر عن النتائج التي ستفرزها الانتخابات البرلمانية التي كان مقررا أن يجري دورها الثاني في السادس عشر من الشهر نفسه.

كان بن جديد مقتنعا بأن ظهره محميا من الجيش للبقاء في الحكم حتى إن فازت جبهة الإنقاذ بغالبية برلمانية وكان يعتقد أنه من الممكن استنساخ التجربة الفرنسية بالتعايش بين رئيس يساري وحكومة يمينية أو العكس، لكن الواقع غير ذلك،

فقبل نحو ثلاثة أشهر كانت مجموعة محدودة من الضباط أطلقت عريضة تدعو إلى تأجيل الانتخابات لأنها في كل الأحوال ستؤدي إلى اضطرابات غير مسبوقة، ولأن المجتمع غير مهيأ لتحول السلطة بهذه السرعة إلى أيدي جماعة لا تحسن التسيير ولا تعرف غير أساليب التهريج والتهديد.

ودعت الوثيقة إلى مرحلة انتقالية تؤهل البلاد إلى الديمقراطية الحقيقية والقدرة على التناوب السلس على السلطة,لكن الشاذلي بن جديد ومعه الحكومة ووزير الدفاع اللواء خالد نزار ورئيس الديوان الرئاسي الجنرال العربي بلخير

وعدد من الإطارات المدنية والعسكرية تابعوا السير باتجاه تنظيم الانتخابات و محاولة التحكم في نتائجها بما لا يمنح جبهة الإنقاذ غالبية مطلقة، مع أن الانتخابات المحلية التي جرت في يونيو 1990 كسبتها الإنقاذ بنتيجة ساحقة.

وظهر فريقان قويان في السلطة يضم الأول الرئيس وحاشيته القريبة ويضم الآخر ضباطا من المتعلمين خاصة وقطاعا واسعا من المجتمع المعارض لحكم الإسلاميين الوشيك. وحين جرى الدور الأول من الانتخابات في 26 ديسمبر 1991 كسبت جبهة الإنقاذ 182 مقعدا وترشحت في أكثر من 90 في المئة من الدوائر التي يجري بها دور ثان لعدم حسم النتيجة.

مقابل 25 مقعداً لـ» القوى الاشتراكية« و 15 مقعدا فقط لجبهة التحرير( حزب السلطة) وهذه النتيجة ـ النكسة ـ عززت موقف المعارضين للرئيس وأخلت بالتوازن داخل جهاز الحكم، فانضم عدد كبير ممن باركوا إجراء الانتخابات إلى المعارضين، وكان بينهم اللواء نزار والجنرال العربي بلخير ورئيس الحكومة سيد أحمد غزالي و عدد كبير من الضباط، فبقي الرئيس معزولا.

وأضفت المحادثات الماراثونية التي جرت بين الأطراف خلال أسبوعين ( بين 27 ديسمبر و 10 يناير إلى إجماع بضرورة وقف المسار الانتخابي. وهو ما يمر حتما عبر فراغ مؤسساتي كامل، بتقديم الرئيس استقالته المقرونة بانتهاء مهام البرلمان السابق. وهذه الحالة تؤدي بالضرورة لإلغاء الانتخابات لاستحالة استمرارها.

و هو ما حدث بالفعل. ومباشرة بعد تقديم الرئيس الشاذلي استقالته عقد المجلس الأعلى للأمن وهو أعلى هيئة في البلاد تجتمع للأغراض الاستثنائية، جلسة مفتوحة لمتابعة الوضع، وأعلن خلو منصب الرئيس و غياب جميع المؤسسات المنتخبة المخولة بتسيير شؤون البلاد.

وبدأ أتباع الإنقاذ في التظاهر في مختلف جهات البلاد و وقعت مشادات عنيفة مع قوات الأمن، وصدرت قرارات باعتقال القيادات و الكوادر الوسطى للحزب وكذا جميع من يحرضون على العصيان أو يشاركون فيه. وهرب عدد كبير إلى الجبال التي كانت مهيأة منذ شهور لمثل هذه الأوضاع،

وتأسست الحركة الإسلامية المسلحة بقيادة عبد القادر شيبوطي والملياني وعدد ممن شاركوا في أحداث العصيان المسلح لعام 1985 بقيادة مصطفى بويا علي وانضم عدد كبير من الشباب إليها خاصة من المطاردين من قوات الأمن.

وبالمقابل أصدرت السلطات قرارات بإنشاء محتشدات الاعتقال في الصحراء الكبرى بأمر من الرئيس الجديد محمد كما أعلن القضاء حل الجبهة الإسلامية للإنقاذ و سحب منها المجلس المحلية التي كانت تسيرها.ودخلت البلاد بعدها في دوامة العنف التي خلفت أكثر من 150 ألف قتيل حسب آخر تصريح للرئيس عبد العزيز بوتفليقة.