تحليل اخباري

الفلسطينيون ينتظرون "الفصل 2"

في حياته العسكرية، وتاليا السياسية الطويلة، لم تحمل الذاكرة الفلسطينية من آرييل شارون غير صور الدماء والدمار، لكن رحيله المفاجئ عن الحلبة السياسية عنى لبعضهم من السياسيين والمراقبين رحيلا في الوقت غير المناسب.

فالرجل ذو السيرة الدامية الذي حمل الكثير من الأوسمة العسكرية لقاء ما حققه للدولة العبرية في حروبها ضد الفلسطينيين والعرب، حمل في نهاية حياته السياسية صفة أخرى هي صفة الزعيم الوحيد في تاريخ إسرائيل الذي انسحب من أرض فلسطينية محتلة وفكك ما فيها من مستوطنات »قطاع غزة«.

وأمام انسداد الأفق السياسي بدا ان بعض السياسيين في الجانب الفلسطيني ينتظر استكمال مشروع شارون للانسحاب أحادي الجانب في الضفة، ليس لأن هذا الانسحاب الجزئي سيشكل حلاً تاريخياً مناسباً للقضية الفلسطينية بل لأنه يمثل زوالاً للاحتلال عن جزء مهم من الأرض المحتلة في وقت فقد فيه كثيرون الأمل بحدوث أي تراجع للمشروع الاستيطاني. زوال يحمل معنى سياسياً وتاريخياً مهماً لأي حل سياسي مستقبلي حتى لو جاء متأخراً.

ويقول الكاتب ممدوح نوفل الذي يقوم بجهد تأريخي مهم للتجربة الفلسطينية المعاصرة: »أنا انظر باهتمام لأي انسحاب إسرائيلي من الأرض الفلسطينية، فهو مكسب للفلسطينيين خاصة وانه يأتي من طرف واحد ودون ثمن سياسي«.

واستدرك يقول:

»صحيح ان برنامج حزب العمل أفضل للفلسطينيين من برنامج شارون، لكن المشكلة انه برنامج نظري وليس عمليا، فحزب العمل لم يخل بيتا في مستوطنة في عهد اسحق رابين فما بالك في عصر عامير بيرتس؟«.

وكان ممكنا ملاحظة فارق نوعي في استقبال الفلسطينيين لنبأ مغادرة شارون للحلبة السياسية. فبينما أظهر عامة الجمهور ابتهاجا بهذه المغادرة ورفعها حد أسطورة انتقام الآلهة، أبدى السياسيون قلقا لافتاً من التطورات المتوقعة في مرحلة ما بعد شارون. وذهب بعضهم حد توقع الدخول في مرحلة طويلة من الغيبوبة السياسية.

ودأب الفلسطينيون على التعبير عن قلقهم من خطة شارون القائمة على ضم الكتل الاستيطانية والقدس الكبرى التي يصل جزؤها الشرقي حتى مشارف مدينة أريحا، وجعل الجدار حدودا بين إسرائيل والدولة الفلسطينية المقترحة ذات الحدود المؤقتة.

لكن مع غيابه أبدى البعض قلقه من عدم العثور في المؤسسة السياسية الإسرائيلية على من يجرؤ على السير خطوات مماثلة كتك التي قام بها هذا الزعيم الذي أراد وضع نفسه في مكانة مماثلة للزعماء المؤسسين للحركة الصهيونية والدولة العبرية أمثال هرتسل وبن غوريون.

فليس بين خلفاء شارون المحتملين من زعيم »كاديما« الجديد ايهود المرت إلى نائبته تسيفي ليفني أو ربما شمعون بيرس إلى زعيم حزب »العمل« عمير بيريتس إلى زعيم »ليكود« بنيامين نتانياهو من هو في حجم وثقل شارون صاحب الإرث السياسي والعسكري الذي أهّله للقيام بإخلاء 24 مستوطنة بسكانها الثمانية آلاف حتى مع قبورهم وأماكن العبادة خاصتهم من دون سقوط قطرة دم واحدة.

وعلى المستوى المرحلي يثير غياب شارون قلق بعض الأوساط الفلسطينية من حدوث تصعيد وتدهور عسكري خاصة في ظل حالة الفوضى والانفلات الأمني المتفشية في قطاع غزة التي تتيح لمجموعة عسكرية صغيرة ان تحدد أجندة الحدث العسكري والسياسي لحوالي مليون ونصف المليون فلسطيني يعيشون في مساحة صغيرة »360 كيلومتراً مربعاً« هي الأشد اكتظاظا على وجه الأرض.

وقال الدكتور علي الجرباوي أستاذ العلوم السياسية في جامعة بير زيت: »إسرائيل ستكون في هذه المرحلة متوترة جدا إزاء أية حركة تصدر عن الفلسطينيين، فإذا ما وقعت عملية .

أو أطلق صاروخ من غزة فإن القيادة الجديدة في إسرائيل سترد بطريقة مضاعفة كي تظهر حزما شديدا في غياب صاحب لقب »البلدوزر« ما قد يؤدي لحدوث لتدهور غير مسبوق خاصة وان بعض القوى الفلسطينية أعلنت عن انتهاء الهدنة«.

والى جانب تأثيره الآني سيكون لمغادرة شارون في هذه الرحلة تأثير بعيد المدى أيضا يرتبط بنتائج الانتخابات العامة المقبلة في »مارس المقبل، فإذا شكلت هذه الحكومة من حزبي »كاديما« و« العمل« فسيفتح باب التفاوض مع الفلسطينيين من جديد، أما إذا شكلها حزب » ليكود« بقيادة نتانياهو فإنني اعتقد أن باب المفاوضات سيغلق لفترة طويلة مقبلة.

رام الله ــ محمد إبراهيم:

طباعة Email
تعليقات

تعليقات