في وقت ينشغل القادة السياسيون بإجراء المفاوضات لإنهاء أزمة النتائج غير المكتملة للانتخابات، وعقد التحالفات لتشكيل الحكومة، يبقى الشارع العراقي مترقبا لما يدور، يتابع عن كثب ما يدور في العلن،
ويبحث عما يدور وراء الكواليس رغبة في رؤية حكومة تمثل جميع العراقيين، تنبذ التقسيم الطائفي، وتكون قادرة على الإمساك بكل الملفات الساخنة المفتوحة على مصراعيها.»البيان« حاولت الوقوف على ما يدور في رأس العراقيين بشأن حكومتهم المقبلة، فماذا قالوا؟
الحقوقي خالد عبد الجبار السعدي يقول: عندما قدم الاحتلال، لم يسقط نظام صدام حسين، وإنما قام بتهديم الدولة. ومعروف لدى الجميع ان الهدم أسهل كثيرا من البناء، فكيف إذا كان الأمر مقرونا بعدم وجود تصور مسبق أو خارطة للبناء الجديد..؟.. وبالطبع كانت نتيجة هذا الفراغ أن امتلأ بالتوجه الطائفي أو القبلي، الذي تلعب قوى الاحتلال على أوتاره الآن.
ويضيف : الانتخابات سواء كانت مزورة أم صحيحة، عمقت البعد الطائفي والشوفيني، بسبب افتقار الشعب للتجربة الديمقراطية، وللنضج الديمقراطي. وعلى هذا الأساس سيكون البرلمان المقبل »تقسيميا«، وهذا ما يجب التصدي له من قبل القوى الواعية لمخطط الاحتلال.
ويستغرب الشاعر غني الصالح تصرف الولايات المتحدة التي أسقطت حكم »طالبان« في أفغانستان لأنه »إسلامي أصولي«، في حين تغذي في العراق هذه النزعة. ويقول : الاهتمامات الطائفية تشغل الناس عن مثالب الحكومات المتعاقبة المدعومة من الاحتلال. فبدلا من الاحتراب الداخلي كان يفترض أن تتوحد القوى الشعبية، وترفع صوتها من اجل تحسين أوضاعها المعيشية التي تدنت إلى الحضيض.
ويشير إلى أن أي شعب في العالم كان سيثور لو مورست بحقه بعض ما يمارس الآن في العراق من سياسة تجويع وإفقار وإذلال وتخريب لكل المؤسسات الخدمية. في بداية الاحتلال كان من ينتقد سياسات المحتل يتهم بأنه من »أزلام النظام السابق«،
وفي زمن حكومة إياد علاوي يتهم بأنه »إرهابي«، وفي زمن حكومة إبراهيم الجعفري يتهم بأنه من أعداء الشيعة..! وانه »إرهابي بعثي تكفيري ملحد«..!، وفي الحكومة المقبلة.. لسنا ندري بماذا يتهم من ينتقدها لان هويتها »الديمقراطية« لم تعرف بعد.
ويتوقع صاحب محل الحلويات كاظم الشمري أن يلعب الأكراد دورا مهما في الحكومة المقبلة، ولكن هذا الدور سيكون مخيبا للآمال. فهم يشجعون الآن على سياسة الأقاليم.. لتعميم تجربتهم في تمزيق صفوفهم على الآخرين. انهم يريدون التحالف مع من يعطيهم »مكاسب إقليمية«، وهذه بادرة خطيرة موروثة من السياسة الانجليزية..
تنطوي على إعادة ترسيم حدود المحافظات والأقاليم ومحتوياتها..!.. بمعنى شن الحرب بين السليمانية واربيل حول كركوك، وبين الرمادي وكربلاء والنجف حول الصحراء الغربية، وبين واسط وديالى وبغداد والانبار حول »مثلث الموت« وامتداداته.. وما إلى ذلك.
ويضيف: الأجدر بالأكراد الآن أن يوحدوا إدارتي السليمانية واربيل، وان يبتعدوا عن توريط ميليشياتهم في عمليات القمع داخل كردستان وخارجها.. وان يبتعدوا عن النزعات الشوفينية والعشائرية، ويعودوا للانسجام مع المجتمع العراقي، وليس تعميم تجربتهم الدموية الفاشلة عليه.
أما الكاتب الصحافي سمير العاملي، فيرى أن التقسيم الطائفي العرقي قائم حاليا، لان الاحتلال يريد ذلك. ولكن الحقيقة المرعبة هي أن يتم إقرار ذلك رسميا، لان الجنوب العراقي بشكل خاص سيشهد تناحرا مزعجا بين التيارات والمرجعيات،
والغرب والشمال السني سيشهد أيضا تناحرا بين المعتدلين والمتشددين، وأما الشمال »كردستان« فلقيادات الإقليم طموحات كبيرة وكثيرة، تتخللها ثارات تاريخية بين إقليمي سوران وبهدينان.. وهكذا.
ويضيف: أتوقع ألا يستمر الأميركيون في هذه اللعبة، لأنها تفقدهم كل ما تبقى من رصيدهم أمام شعوب المنطقة والعالم، ولذلك سيعاودون طلب النجدة من الجامعة العربية ومن الأمم المتحدة من اجل عقد المؤتمر الوطني، والابتعاد عما أفرزته الانتخابات والاستفتاء على الدستور من نتائج لا يعّول عليها، لأنها جاءت في ظروف شاذة، لا تمتلك الديمقراطية فيها أي مناخ ديمقراطي.
ويتوقع المهندس طالب اسعد أن يخف الاحتقان الطائفي والشوفيني، إذا تم تشكيل حكومة وحدة وطنية، تنبثق من مؤتمر وطني عام، وتعيد تقييم المراحل السابقة جملة وتفصيلا. ويقول: إن الادعاءات بان الانتخابات هي الديمقراطية مجرد وهم..
الانتخابات لعبة يمكن أن نقول عنها انها »قذرة« لأننا قبل كل شيء يجب أن نسأل الأحزاب والكيانات التي شاركت فيها : من أين أتت بالأموال التي أنشئت بها، ومن أين لها ملايين الدولارات التي أنفقت على الدعايات الانتخابية..؟
بل من أين لها الأموال لدفع رواتب منتسبيها ومناصريها ومرتشيها وميليشياتها..؟ويقول: إذا عرفنا مصادر التمويل، فان الحل بيد تلك المصادر، لان الإرادة الشعبية مغدورة ومسحوقة، وان اللاعبين السياسيين هم القوى الخارجية.
ولا يصدق من يقول إن العراق ليس في حاجة إلى »مؤتمر طائف«، والى شخصيات مؤهلة لإعادة البناء والإعمار والخدمات، بدلا من إنفاق ملايين الدولارات على أوراق لا قيمة لها توضع في صناديق اقتراع لا قيمة لها هي الأخرى، ما دام الاحتلال العسكري والاقتصادي هو المهيمن.
وأخيرا يرى الدكتور سالم الربيعي أن الأحزاب الكردية الرئيسية تخلت عن تسمياتها الديمقراطية بانجرافها مع التيار الطائفي والشوفيني، ولكنها تبقى طرفا في المعادلة السياسية إذا رغب بالاصطفاف الوطني وعادت إلى تحالفاتها السابقة، وليس المقصود هنا التحالفات مع الأنظمة،
وأنا مع القوى السياسية الديمقراطية، أما الآن فان انقساماتها الداخلية لا تسمح لها بذلك، وعليه سيكون الاصطفاف في البرلمان طائفيا وشوفينيا، إلى حين انعقاد المؤتمر الوطني المؤمل أن يلتئم في بغداد في الربع الأول من سنة 2006.