اتهم مستشار الأمن القومي العراقي موفق الربيعي الجانب الأميركي بالكذب في موضوع إعلام الحكومة العراقية بقراره إطلاق سراح 25 شخصية مرتبطة بالنظام السابق.

وقال ان القيامة ستقوم وتضرب العلاقات بين العراق وأميركا في حال سريان هذا الأمر على صدام حسين. وقال في حوار خاص مع »البيان« ان العمليات التي قام بها الجيش العراقي في المناطق الغربية من البلاد أفضت إلى تفكيك وتهميش عمل الإرهابيين هناك كما حد كثيرا من التدخل السوري فيها.

وساهم في إنجاح المساعي السياسية لمشاركة أبناء تلك المناطق في العملية الانتخابية التي تجري ضمن الاستحقاقات الوطنية ودون حسابات الربح والخسارة الحزبية الضيقة.

وهنا نص الحوار الذي أجراه »البيان« مع الربيعي أثناء زيارته إلى الدولة

* شاركتم مؤخرا في مؤتمر مع الكتل السياسية الرافضة لنتائج الانتخابات.. هل تمت تسوية الإشكالات حول هذا الموضوع؟

ـ ان العملية السياسية في العراق تبلورت بالدستور وبالحكومة المنتخبة على أساس هذا الدستور وهي حكومة برلمانية نيابية دستورية تعددية تعتمد على التداول السلمي للسلطة.

بتنا نؤمن الآن ان مرجعيتنا النظرية في كل قضية هي الدستور، أما مرجعيتنا العملية فهي 275 نائباً هم أعضاء الجمعية الوطنية العراقية المنتخبة وما عدا هاتين المرجعيتين لن نحتاج إلى أي مرجعية أخرى.

الآن وبعد الانتخابات الأخيرة ودخول حركة التوافق والحوار الوطني العراقي والجماعات الأخرى العملية السياسية بدا واضحاً للجميع ان العراق يستوعب الجميع.. من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، من أكثر المتشددين إلى اكبر الليبراليين.

كما عرف الآخرون ان هناك استحقاقات سياسية لصالح الوطن وأننا لا نؤمن بولاية الفقيه وإنما نؤمن بقوة الجمعية الوطنية العراقية، وعرفوا كذلك أننا لا نريد تكوين دولة دينية مثل إيران أو مثل لبنان تعتمد المحاصصة الطائفية، بل نريد دولة مدنية نيابية دستورية تعددية.

وبالطبع لا يمكن بناء هذه الدولة دون مكونات الشعب العراقي بكامله من السنة والشيعة والأكراد، وأود ان أقول ان الاعتراضات على الانتخابات ليست سنية فقط بل هي من الائتلاف أيضاً وفي مناطق متعددة من القطر ونحن نؤمن ان هذه الاعتراضات مسألة لا نبت فيها نحن بل المفوضية المستقلة للانتخابات وهي جهة مستقلة لا ترتبط بأحد.

وحول السؤال الذي طرحته أقول إننا التقينا بالأمس رئيس قائمة التوافق طارق الهاشمي وعدداً من معاونيه وتفاهمنا على موضوع الانتخابات والاعتراضات والتشكيك بالأرقام.

والشرح فوجدنا ان كل هذه المشاكل المثارة إنما هي على مقعد واحد في الجمعية الوطنية المقبلة.. وقد فند لي الهاشمي بكلمة لطيفة حاجة الائتلاف إلى هذا المقعد لقلة عدد نوابهم في الجمعية بينما لا يشكل فارقاً يذكر بالنسبة للائتلاف لأن غالبيته كبيرة.

كما ان الائتلاف لم يستغل كونه ذا أغلبية مطلقة في الانتخابات السابقة ويحتكر المواقع السيادية الاثني عشر بل منح أهم موقعين وزاريين (الدفاع والخارجية ) إلى السنة.

* هل تعتقدون ان تعليق حل موضوع الخلاف الانتخابي يمكن أن يصعّد أعمال العنف في العراق؟

ـ العنف الذي ساد العراق في السنتين الأخيرتين كانت دوافعه مرتكزة على ثلاثة أنواع: الأول ويمثل المتشددين الدينيين كأمثال جماعة الزرقاوي وأنصار الإسلام وغيرهم وهؤلاء يشكلون 15 في المئة من المقاتلين، والثاني عبارة عن الجريمة المنظمة، وفيها مجرمون محترفون أطلق سراح معظمهم النظام السابق قبل بدء الحرب في 2003 .

وهو يشكل 5 في المئة، أما الـ 80 في المئة فهم أصحاب الدوافع السياسية لفئات فقدت التميز الاجتماعي وفقدت وظائفها ومناصبها في السلطة فكان رد فعلهم الطبيعي اللجوء إلى العنف. وبعد الانتخابات الأخيرة اسقط في أيدي هؤلاء مبررات العنف مع تغير البيئة السياسية في المثلث السني .

حيث بدأ الإنسان العادي ينبذ العنف ويميل إلى التعبير عن رفضه أو قبوله لأي متغير سياسي من خلال وسائل أخرى ومنها خروج الآلاف من المتظاهرين المنددين بعمل المفوضية العليا المستقلة للانتخابات والمشككين بسلامة ونزاهة الانتخابات، وهو مؤشر واضح وسعيد على اختيار التعبير السلمي بدل العنف.

يستثنى من هذا جماعة يمكن ان نطلق عليها بالصداميين وليس البعثيين حيث ان هذه المجموعة من العراقيين غسلت أدمغتها لترفض أي شيء غير موصول بصدام حسين، وهم قلة ولكنها مستميتة (إما قاتل أو مقتول).

والآن ومن موقع مسؤوليتي يمكنني القول ان 75 في المئة من اعمال العنف انخفضت كما ونوعا، فسابقا كانت بغداد مثلا تشهد من 6 إلى 7 من حوادث انفجار سيارات ملغومة بينما الآن لا تجري عملية واحدة خلال أسبوعين وبسيارة واحدة.

ان عملية تجفيف منابع الإرهاب وتقليل عمليات العنف شملت جهوداً سياسية وعسكرية كبيرة.

وقد كان للعمليات العسكرية التي قامت بها القوات العسكرية العراقية غرب البلاد ( من الفلوجة وحتى الحدود السورية) أثرها إحداث مجموعة من الانكسارات في صفوف المقاتلين، كما تم تصفية قيادات كثيرة لها والسيطرة على أسلحة كثيرة ومخازن عتاد وتموين.

كما أدت هذه العمليات أيضاً إلى الفصل بين الجماعات المتشددة والإرهابية كجماعة الزرقاوي مثلا وبين الرافضين للعملية السياسية وكان لهذا الانفصال بين الجماعتين مصلحة كبيرة للشعب العراقي.

وخلال العمليات تم ضبط الحدود السورية بشكل حدَّ إلى درجة كبيرة من الحركة عبرها وتم وضع مناطيد على طول الحدود محملة بكاميرات مراقبة إضافة إلى ضبط المنافذ الحدودية الثلاثة بين البلدين.

وعملت الأجهزة الاستخباراتية في العراق وسوريا بشكل ممتاز كما تم استمالة القبائل التي تعيش بشكل ممتد عبر مدن متقابلة على طرفي الحدود، ويبدو ان الضغط الدولي على سوريا أيضاً أعطاها درساً لعدم ممارسة اللعبة الخطرة مع العراق والمجتمع الدولي.

يضاف إلى ذلك مؤتمر القاهرة الذي ذكر فيه اسم المقاومة والعملية السياسية ومجموعة تنازلات من جميع الأطراف، وكل ذلك خلق ظرفاً جديداً في المثلث السني يدعو إلى سلوك الطريق السياسي والسلمي بدل العنف للحصول على المكاسب والمشاركة السياسية.

أضف إلى ذلك ان العملية التي نفذت على ثلاثة فنادق في الأردن مؤخرا ساعدتنا كثيرا جدا حيث تغير الوضع العربي العام بعدها والذي كان قبل هذه الجريمة يسكب الزيت على النار في العراق.

إطلاق رفاق صدام

* قال قائد أميركي في بغداد ان الحكومة العراقية تعلم منذ أشهر بقرار إطلاق سراح 25 شخصية من أتباع النظام السابق، وهو عكس ما صرحتم به انتم منذ أيام قليلة؟

ـ استطيع ان أقول لك انه يكذب، لأنني كنت مطلعاً على جميع أضابير الموقوفين وبينها ملف صدام حسين تفصيليا، بالنسبة لمجموعة الـ 25 التي أطلق سراحها فقد تم جلب أضابيرهم إلى اللجنة الوزارية للأمن الوطني ( رئيس الوزراء، وزير الدفاع، وزير الداخلية، مستشار الأمن القومي) من قبل الجانب الأميركي وقال:

نريد إخراج هؤلاء! فقال رئيس الوزراء: لا يمكن ان يخرجوا قبل ان يبت القضاء العراقي بأمرهم.. أرسلنا الأضابير إلى وزارة العدل العراقية فأصدرت مذكرات إلقاء قبض بحق ثمانية منهم للإحالة إلى القضاء العراقي .

وليس إلى المحكمة الجنائية التي تحاكم صدام حسين وأتباعه، وعندما تم إعلان إطلاق سراحهم جاءني القاضي مدحت محمود من وزارة العدل العراقية طالبا الاستقالة ووجه لنا اتهاماً بالتدخل في شؤون القضاء .

وتجاهل مذكرات إلقاء القبض فشرحنا له الأمر وبينا ان الأمر بأيدي القوات الأميركية. وبعد ان حاولوا ترحيلهم إلى الأردن رفضت المملكة استقبالهم وهو أمر حسن حيث ان قبوله بهم كان سيتسبب في أزمة كبيرة بين البلدين.

* هذا التصرف الأميركي.. هل تتوقعون ان يجري يوما بحق صدام حسين؟

ـ ( ضحك) هذا الافتراض لا يمكن ان يكون وإذا حصل فإنه سيكون بمثابة يوم القيامة وسيحدث انقلابا كبيرا في المجتمع العراقي.

* وإذا تم ضمن صفقة سياسية؟

ـ صدام يحاكم ضمن قانون، وإطلاق سراحه من قبل الولايات المتحدة يعني إلغاء السيادة وإعلان حالة الحرب مع العراق.

* التقيت صدام حسين قبل جلسة المحاكمة الأخيرة ( السابعة).. ماذا دار بينكما؟

الحقيقة نحن لا نملك حق التحقيق مع صدام حسين باعتبارنا الذراع التنفيذي في الدولة ولكن عندما وجدت صدام قريبا مني في إحدى القاعات الملحقة بالمحكمة ذهبت وتكلمت معه؛ أعطيته نصيحة فقلت له: انك في كل الأحوال ستعدم.

وان رفاقك كلهم اعترفوا عليك والقوا بالمسؤولية في ساحتك، فالأفضل لك ان تعترف بجرائمك لكي تعود الجرائم الأخرى على من قام بها علماً بان أمر إعدامك بات محسوماً وتستطيع ان تخفف بعض ما على كاهلك بالاعتراف.. وكان قصدي التأثير على معنوياته.. فأجابني صدام: اعرف أنكم تريدون إعدامي..!

فقلت له لو أردنا إعدامك لفعلنا ذلك منذ البداية ولكن تأكيد إعدامك بسبب الأدلة التي تملكها المحكمة عليك.

* ألهذا السبب كان صدام هادئا في الجلسة الأخيرة؟

ـ ربما.

إيران.. جار لا بد منه

تحدث مستشار الأمن القومي في العراق موفق الربيعي دون ان اسأله عن إيران فقال:

إيران لن تغادر مكانها، وهي دولة جار للعراق ولها حدود معه تمتد إلى أكثر من ألف كيلو متر، ولإيران مصالح في العراق ووجود ونشاطات ومطامع استراتيجية وتكتيكية.

* ولكن هل لإيران دور يمكن ان يضايق عملكم في مجال الأمن القومي؟

ـ لا يوجد دليل قاطع على تورط إيران بدعم الإرهاب في العراق، إيران لها نشاطات كبيرة عندنا، ثقافية، مذهبية، اقتصادية، أمنية وسياسية. وبالطبع إيران من مصلحتها استقرار العراق وان يكون لها حكومة صديقة تحكم بغداد.

وهي لا تحلم بأفضل من الحكومة الحالية بل حتى لو أعطيت الخيار لأن تختار هي حكومة للعراق فلن تكون بالنسبة لهم أفضل من الحكومة الحالية؛ فكل الموجودين في الحكومة من رئيس الجمهورية إلى رئيس الوزراء فأعضاء الجمعية الوطنية هم أصدقاء لإيران.

إننا نريد ان نغير مفهوماً كان سائدا بالنسبة إلى النظرة لإيران؛ فلنكن قناة الحوار والانفتاح بين العرب والإيرانيين لتحقيق الازدهار والتطور.

* هل يعني هذا ان لا أخطار ولا مشاكل أبدا تأتي من إيران؟

ـ لا بالطبع فإيران تصدر إلى العراق موت (أحمر) اسمه المخدرات كما انها تدعم بعض الحركات السياسية العراقية.

الأمن القومي أميركي ـ عراقي

* كيف تعرفون الأمن القومي في ظل الاحتلال الأجنبي؟

ـ ان مشكلة الأمن القومي في العراق ترتبط بوجود قوتين تسعيان للحفاظ على أمنهما في ارض واحدة هي أميركا والعراق، وهذا أمر لا يمكن ان ينجح، فالأمن القومي ليس أمناً استخبارياً فقط.

ولا هو جيش أو شرطة، وشغلي انا تحديدا يتجاوز إلى جميع أنواع الأمن المحلي والإقليمي والقومي (العربي) وحتى تدابير منع الاقتتال الطائفي والعرقي.

ان أهم مشروع نسعى لتحقيقه هو معاهدة للأمن القومي الإقليمي تشمل تركيا وإيران وسوريا والأردن والسعودية وحتى مصر لمحاربة الإرهاب وقد التقيت مع جميع قادة هذه الدول ومسؤوليها. وفي حال تحقيق هذه المعاهدة سنستفيد كثيرا من تجاربهم الطويلة في موضوع الإرهاب وحصر تأثيره ومتابعة مصادره إلى أضيق الحدود.

حوار ـ فارس الخطاب: