أكد رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية »حماس« خالد مشعل أن اتفاق التهدئة مع إسرائيل له سقف زمني ينتهي بنهاية هذا العام، نافياً ما صرح به رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن) بأنها تهدئة بلا سقف،
وأكد أن موقف »حماس« لا يشكل خروجاً على الإجماع الفلسطيني بل هو انسجام مع هذا الإجماع لأن التهدئة استهلكت ظروفها، واستهلكت أيضاً المدى الزمني المتاح لها وانتهت، غير أنه أكد على أن »حماس« مع الحوار الفلسطيني سواء في الداخل أو في الخارج، رغم أن »السلطة« لم تنفذ شيئاً من اتفاق القاهرة.
وتوقع مشعل في حوار مع »البيان« أن تشهد التسوية السياسية مرحلة جمود طويلة بعد انشقاق شارون عن الليكود وتأسيسه حزباً جديداً استعداداً للانتخابات الإسرائيلية المبكرة، لافتاً إلى أن إسرائيل تعمد في مثل هذه الظروف إلى التصعيد ضد الفلسطينيين لأن جميع القوى الإسرائيلية تزايد في صراعاتها السياسية بالدم الفلسطيني.
وحذر من المخطط الإسرائيلي بتحويل غزة إلى سجن سياسي كبير عبر إغراق الفلسطينيين بالتفاوض على التفاصيل، مشدداً على أن خيار المقاومة في غزة لا يزال مطروحاً لكنه سيأخذ بنظر الاعتبار الواقع الجديد، تالياً نص الحوار:
٭ الرئيس أبو مازن والسلطة الفلسطينية انتقدا موقف »حماس« من التهدئة مع إسرائيل وبأنها لم تكن محددة بسقف زمني ما ردكم على ذلك؟
ــ التهدئة حدد لها سقف زمني هو نهاية عام 2005 كحد أقصى، وأي حديث الآن من جديد عن تجديد التهدئة أو تمديدها أو إعادة إنتاجها هو حديث لا ينسجم مع الواقع المعاش ولا مع المعطيات على الأرض لأن الشروط أو المطالب التي حددت في التهدئة وفق إعلان القاهرة لم يتحقق منها شيء وبخاصة موضوع الأسرى فإسرائيل لا تزال تضرب بعرض الحائط كل مطلب شعبنا بالإفراج عن الأسرى، بل زاد عددهم.
كانوا نحو سبعة آلاف وخمسمئة أو ثمانية آلاف، أصبحوا تسعة آلاف الآن، كذلك العدوان لم يتوقف، الاغتيالات والاعتقالات والملاحقات، ثم الممارسات العدوانية على الأرض، كاستمرار بناء الجدار والاستيطان وتهويد القدس والضغط والحصار على الناس، وهذه زادت حتى بعد الانسحاب من غزة وشارون ليس عنده شيء يعطيه للفلسطينيين ولا حتى للسلطة الفلسطينية، لذلك أعتقد أنه في هذه الأجواء يشعر أي فلسطيني، سواء كان في »حماس« أو في الفصائل الأخرى أو كان شخصاً عادياً بلا جدوى أو منطقية أن نتحدث عن التهدئة.
عندما تختبر التهدئة ولا تنجح ولا تحقق أهدافها أو مطلوباتها، بل يفرض عدونا على الأرض ممارسات عدوانية فلا أعتقد أن ذلك يسمح لأي فلسطيني بالحديث عن التهدئة، من هنا نحن رؤيتنا باختصار: الأجواء لا تسمح بالتهدئة، بالعكس ينبغي أن يكون تفكيرنا الموضوعي هو كيف نتعامل مع الواقع، لسنا أسرى لمنطق واحد، نحن أخذنا قرار التهدئة لظرف ما، لضرورات فلسطينية لتقدير سياسي معين، وكنا مقتنعين بها،
الآن هي ليست قدراً مقدوراً، ليست التهدئة هي أداتنا الوحيدة في إدارة الصراع، التهدئة محطة نجحت أو لم تنجح، استهلكت ظروفها، واستهلكت أيضاً المدى الزمني المتاح لها، انتهينا، الآن ينبغي أن نقرأ الواقع ثم نقدر نحن كقيادة فلسطينية بكل أطرافها سواء في السلطة أو في الفصائل الفلسطينية كيف نتعاطى مع الواقع كما هو، أعتقد أن الظروف التي يصنعها عدونا على الأرض تفرض على شعبنا أن يتعامل معها من مدخل آخر غير مدخل التهدئة.
لغة الحوار
٭ لكن هناك حديث عن محاولات مصرية لجمع الفصائل الفلسطينية في القاهرة لتجديد التهدئة، هل نعتبر أن »حماس« غير معنية بهذه الاجتماعات؟
ــ نحن مع أي حوار فلسطيني سواء في الداخل أو في الخارج، لغة الحوار لغة معتمدة وحريصون عليها، وحريصون على التواصل أيضاً مع أمتنا العربية والإسلامية، مع مصر ومع غيرها من الدول العربية والإسلامية، ولكن لا يعني الذهاب إلى الحوار أو الموافقة على الحوار أو الترحيب بالحوار أننا مجبرون على منطق التهدئة الذي شرحت علته، هذا من ناحية،
ومن ناحية أخرى، نحن في حوار القاهرة في شهر مارس الماضي توافقنا واتفقنا على أمور عدة في ترتيب البيت الفلسطيني، وهذه أمور معظمها معطل، يعني الانتخابات البلدية جرى إطالة مداها الزمني، وتحولت من ثلاث مراحل إلى أربع مراحل ثم إلى خمس مراحل، والمرحلة الخامسة مرحلة مفتوحة لم يحدد وقتها بعد، يعني ستدخل حتى عام 2006، الانتخابات التشريعية أجلت من شهر يوليو إلى شهر يناير المقبل.
قانون الانتخابات أيضاً عُدل وفق ما اتفقنا عليه في القاهرة وبين الحين والآخر تجري أطروحات لإعادة تعديله وما إلى ذلك، يعني هناك حالة من عدم الاستقرار وهناك أيضاً عدم جدية في تنفيذ المطلوب، ثم الأهم من ذلك موضوع منظمة التحرير الفلسطينية التي توافقنا أن تجتمع آلية معينة لها عبر الأمناء العامون للفصائل وأعضاء اللجنة التنفيذية ورئاسة المجلس الوطني الفلسطيني وشخصيات مستقلة ويدعو لها رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ولم يحصل هذا، إنما حصلت خطوات خجولة وبطيئة جداً لا تدل على جدية.
فإذن كما لم ننفذ بعد ما اتفقنا عليه قبل حوالي ثمانية شهور في القاهرة فما جدوى أن نتوافق على أشياء جديدة إذا كانت هناك لا تزال أمور معلقة أو معطلة، ومع ذلك فنحن نرحب بالحوار ولكن رصيد التجربة سيلقي بظلاله على أي محطة حوار مقبلة.
٭ كيف تقيمون التطورات الأخيرة في إسرائيل مثل انشقاق شارون عن الليكود وتأسيسه حزباً جديداً، وكيف تتصور أن ينعكس ذلك على الوضع الفلسطيني؟
ــ بعد خروج شارون من غزة دخلت التسوية السياسية بين الطرفين الفلسطيني والصهيوني في مرحلة جمود سياسي، وكان هذا متوقعاً ولم نفاجأ به. الآن بعد هذا المخاض السياسي الداخلي في الكيان الصهيوني، هذا سيزيد الحالة جموداً وسيمتد بها زمنياً إلى منتصف العام المقبل كحد أدنى، لأن الانتخابات في 28 مارس المقبل، إلى أن تتشكل حكومات وصيغ ائتلافية، معناها نحن سنشهد جموداً سياسياً ربما حتى منتصف العام المقبل، بل ستشهد إضافة إلى الجمود السياسي تصعيداً،
لأن أجواء الانتخابات يرافقها عادة تصعيد ومزايدة بين القوى الصهيونية والمزايدة بين القوى الصهيونية حسب التاريخ دائماً على حساب الحق الفلسطيني وعلى حساب الدم الفلسطيني، كل يزايد بدمائنا وبعذاباتنا وبانتقاص حقوقنا والتعدي على أرضنا ومقدساتنا، أما اتجاه الحالة السياسية الإسرائيلية، أين تتجه فمن المبكر الحديث عن مساراتها فكما يعلم الجميع هناك تشكيلات ثلاثة،
شارون يشكل تياراً يمينياً ربما ينحو إلى الوسط، وهناك الليكود بشكله الحالي الذي قد يتحالف مع اليمين الأكثر تطرفاً بالتالي يذهب إلى أقصى اليمين، وهناك حزب العمل بقيادة عامير بيريتس الذي قد يبدو هو نحو اليسار، وهذا يعني أن هناك مرحلة مخاض من المبكر أن نتكهن من الذي سيفوز في حلبة السباق؟ من الذي سيفرض بصمته النهائية؟
هل هو اليمين الأكثر تطرفاً؟ هل هو يمين الوسط أو هو اليسار؟ أنا أعتقد أنه مهما كانت محصلة هذه التنافسات وهذا الحراك السياسي الداخلي لكن الأقدر على فرض برنامجه السياسي في المجتمع الإسرائيلي أو في الحياة السياسية الإسرائيلية هو الذي ينزع نحو اليمين ونحو التشدد،
ولطبيعة الموقف الآن في المفاوضات بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني لا أعتقد أن أي طرف إسرائيلي اليوم لديه قدرة أن يتجاوز الخطوط الحمر الإسرائيلية، لأنه لا يوجد إسرائيلي اليوم في مركز القرار يجرؤ على أن يعترف بالمطالب الفلسطينية ويسلم بها وأن يتجاوز اللاءات التي فرضها شارون وهي موضوع القدس، وموضع حق العودة واللاجئين وموضوع حدود عام 1967 وموضوع الاستيطان.
ولذلك أستطيع أن أقول إن ما سنشهده في ظل هذا الحراك السياسي الإسرائيلي هو مزيد من الجمود ومزيد من بقاء الفجوة من الموقف الفلسطيني بحده الرسمي الذي تمثله السلطة ومن خلفها الموقف العربي الرسمي الذي يتكلم عن حدود علم 1967، وبين الموقف الإسرائيلي الذي ترسخ عملياً على الأرض وأخذ دعماً وغطاءً أميركياً من إدارة بوش وبالتالي لا يظهر في الأفق أن هناك إمكانية لتراجع إسرائيلي، ونتمنى أن لا يكون هناك تراجع فلسطيني أو عربي في المرحلة المقبلة.
اتفاق سيئ
٭ قلتم انكم تخشون أن تتحول غزة إلى سجن كبير بعد انسحاب الإسرائيليين من القطاع، الآن وبعد الاتفاق على معبر رفح هل تبددت مخاوفكم أم تعززت؟ وهل ما زالت غزة خيار المقاومة مطروحاً من غزة أم أنه سينحصر في الضفة الغربية؟
ــ افتتاح معبر رفح بالأمس لا يعني أن غزة لم تعد سجناً، أولاً لأن معبر رفح والاتفاق السيئ الذي عقد مع الطرف الإسرائيلي وبالرعاية الأوروبية والأميركية، هو اتفاق لا يزال يعطي للعدو الصهيوني درجة من التحكم بهذا المعبر سواء في معبر رفح ذاته، ولا أريد أن أدخل في التفاصيل لأن الجميع مطلع على طبيعة هذا الاتفاق وعلى الكاميرات التي تنقل له وعلى ما أعطي للطرف الإسرائيلي من حق في أن يتحفظ على الأسماء التي تدخل وعلى وجود قوائم ممنوعة وما إلى ذلك،
إضافة إلى معبر كارم شالوم الذي يدخل منه موضوع البضائع والموضوع الاقتصادي، إضافة إلى غير الفلسطينيين أو غير الذين يحملون الهوية الفلسطينية، إضافة إلى موضوع الميناء والمطار والممر الآمن بين غزة والضفة، بمعنى منافذ الخروج من غزة لا تزال، إما في درجة من الكونترول الإسرائيلي عليها كما في معبر رفح، وبالنسبة للميناء والمطار والممر الآمن لا تزال مشاريع تحت البحث والتفاوض. الأخطر من ذلك أن العدو الصهيوني تكتيكه التفاوضي الآن أن يغرقنا في تفاصيل غزة.
بدل أن يكون المنهج الفلسطيني أن نتحرك ما بعد غزة ونواصل انتزاعنا لحقوقنا الفلسطينية، تكتيك العدو أن يغرقنا في التفاوض على تفاصيل غزة. اليوم معبر رفح فإذا ما أنجزناه يريدون إظهاره وكـأنه إنجاز تاريخي، وغداً الميناء وبعد غد المطار وبعد ذلك الممر الآمن. وهكذا،
فهم يريدون حصرنا في غزة وبالتالي يصبح الأفق في غزة، وهذا أمر بالغ الخطورة، هذا هو السجن الأكبر، أن يسجنونا سياسياً وأن يختزلوا حقنا السياسي في غزة ويصبح حتى تطلعنا إلى ما بعد غزة بعيد المنال. هذا أمر بالغ الخطورة.
أما مسألة المقاومة في غزة فلاشك أن انسحاب العدو وتفكيك المستوطنات من غزة أوجد واقعاً جديداً لا يناسب هذا الواقع أن تتصرف المقاومة كما كانت تتصرف من قبل، ولا يسمح الواقع الميداني لها بذلك، لا يوجد مستوطنات ولا جنود داخل القطاع ذاته، وهذا أمر تدركه المقاومة لأنها مقاومة واقعية وتتعامل مع الواقع،
لكن هذا لا يعني أيضاً أن دور المقاومة في القطاع انتهى لأن قطاع غزة جزء أصيل من الأرض الفلسطينية، وشعبنا في غزة جزء أصيل وعزيز من الشعب الفلسطيني، ولا نقبل بتجزئة الموضوع الفلسطيني، غزة شريكة مع الضفة ومع مناطق عام 1948 ومع الشتات الفلسطيني في إنجاز المشروع الوطني، لأن تحرير غزة اشتترك فيه كل أبناء الشعب الفلسطيني، أهل غزة وأهل الضفة، مناطق عام 1948 وأهل الشتات الفلسطيني
بل جماهير الأمة العربية والإسلامية كان لها دورها في ذلك. نحن لا نقبل من أحد أن يسقط أو يصادر حق القطاع وواجبه في مشروع المقاومة واستكمال تحرير الأرض الفلسطينية وانتزاع وتحقيق الحقوق الفلسطينية، لكن بالتأكيد بطريقة تناسب الظرف الجديد وليست بنفس الصورة السابقة. وأيضاً، وهذا ما أعلنته المقاومة
وأكدته مراراً لا أحد يقبل أن ينزع سلاح المقاومة بحجة أن غزة خرج منها الاحتلال لأنه ليس هناك دولة في العالم من الدول المستقلة تقبل أن ينزع أحد سلاحها، ففي حده الأدنى هو سلاح دفاعي وخاصة في ظل واقع نعيشه في الأرض الفلسطينية، من هنا نحن نرى أن القطاع يبقى دوره في المشروع المقاوم مستمراً ولكن بكيفية تناسب ظرفه الجديد.
٭ تتعرض سوريا حالياً لضغوط شديدة من ضمن هذه الضغوط وجود الفصائل الفلسطينية على أراضيها، هل ستتخذون خطوات من جانبكم لتخفيف هذه الضغوط؟ خاصة أننا علمنا أن الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي الدكتور رمضان شلح غادر دمشق؟
ــ الضغوط اليوم على سوريا أكبر من أن تحصر بوجود فلان أو علاّن أو وجود هذا الفصيل أو ذاك، ربما كانت قبل سنوات تتجلى في هذا المظهر في بعض جوانبه، لكن اليوم الضغوط على سوريا أكبر من ذلك. هي تستهدف إما إسقاط النظام أو تغيير سلوكه، لأن السياسة الأميركية الظالمة العدوانية لا تقبل أن تمضي دولة عربية في سياساتها خارج الفلك الأميركي
وتتصرف بموقف وطني قومي تجاه سواء الشأن الداخلي السوري أو تجاه القضايا العربية في فلسطين أو العراق أو لبنان، ومن زاوية أخرى هي تريد تحميل سوريا مسؤولية الفشل الذريع الذي لقيته السياسة الأميركية والقوات الأميركية في العراق. وبالتالي القصة أكبر من مجرد وجود فصيل أو قيادات فلسطينية معينة، ومع ذلك نحن كفلسطينيين لا نشكل إثقالاً على أحد ولا إحراجاً لأحد، على العكس نحن مع سوريا كما أن سوريا معنا ومع قضايا الأمة.
والقيادة السورية تدرك في تقديري حقيقة ما تتعرض له، وهذا الذي تتعرض له سوريا سوف يفشل. والظروف التي قادت القيادة الأميركية إلى أن تفعل في العراق ما فعلته قبل سنتين، ليست هي ظروف اليوم التي تسمح للإدارة الأميركية أن تفعل بسوريا ما فعلت بالعراق، ومن هنا لا نملك كلمة ولا تملك سوريا إلا خيار الصمود والدفاع عن كرامتها وسيادتها من دون خلط الأوراق بمسألة تقرير ميليس أو غيره من القضايا.
أجرى الحوار: تيسير أحمد
