أدى ظهور العديد من المنظمات الإقليمية وشبه الإقليمية في أعقاب الحرب العالمية الثانية لإثارة الكثير من التساؤلات حول جدوى قيام مثل هذه المنظمات ومدى نجاحها في تحقيق التكامل والاندماج السياسي وحل النزاعات التي تنشأ بين أعضائها ومجلس التعاون الخليجي، وبوصفه واحداً من هذه المنظمات لم يسلم من الانتقادات والتوجسات التي صاحبت قيامه وتشككت في قدرته على تحقيق أهدافه ومراميه.
لذا تهدف هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على مسايرة المجلس منذ إنشائه حيث تقوم برصد الإنجازات التي حققها وإبراز التحديات الراهنة والمستقبلية التي تواجهه في ظل المتغيرات المتسارعة في البيئتين الإقليمية والدولية.
تعتبر تجربة مجلس التعاون الخليجي بكل المقاييس وعلى الرغم من السلبيات والإخفاقات التي لازمتها ناجحة في نظر الكثيرين، وذلك لتجسيدها بشكل عملي إمكانية نجاح المجموعات التي تقع ضمن إطار جغرافي وتتصف ببعض الخصائص المشتركة في تأسيس كيان إقليمي خاص بها تستطيع من خلاله حفظ الأمن الإقليمي وزيادة وتيرة التعاون والاندماج الاقتصادي بين أعضائه.
كما أنها أكدت من ناحية أخرى صحة وجهة نظر فقهاء القانون والتنظيم الدولي والذين كانوا يجادلون في الاجتماعات الخاصة بوضع ميثاق الأمم المتحدة على أهمية الاتفاق على ظاهرة الإقليمية بوصفها تعبر عن نقاش وثيق وخاص ببعض الدول التي تمتاز بخصائص مشتركة لعل أبرزها القرب الجغرافي ووحدة اللغة والتاريخ والتراث والدين والمصير المشترك، وهو ما ينطبق على حالة دول مجلس التعاون .
هذا إلى جانب وجود القيادات والنخب المؤمنة بقضايا الوحدة والتي تملك الإرادة السياسية والتجارب السابقة في عملية التوحد والاندماج والتي تجسدت في قيام دولة الإمارات العربية المتحدة والتي أرست بتجربتها الرائدة اللبنة الأولى في طريق بناء البيت الخليجي الواحد. وأعطت المثال والقدوة الحسنة في إمكانية قيام الوحدة، ليس على مستوى الخليج فحسب، بل على مستوى الوطن العربي الكبير.
والناظر لمجلس التعاون كمنظمة شبه إقليمية، يجد أنه وبكل المقاييس يُعد من أنجح التجمعات الإقليمية العربية بمعايير الاستمرارية والانتظام في الاجتماعات على مختلف المستويات، فضلاً عن منظومة الاتفاقيات والاستراتيجيات والخطط المشتركة التي وقعتها الدول الأعضاء فيما بينها والتي تغطي العديد من مجالات التعاون.
مقارنة بتجمعات وتكتلات ظهرت واندثرت مثل مجلس التعاون العربي والذي كان يضم كلاً من مصر والأردن واليمن والعراق والذي انفض سامره بعد غزو النظام العراقي لدولة الكويت عام 1990، أو الاتحاد المغاربي الذي كبل وأعاق مسيرته اختلاف دوله حول قضية الصحراء الغربية.
لقد تباينت الآراء حول الأسباب والدوافع الحقيقية التي أدت إلى قيام مجلس التعاون، ففريق يرى أن الأسباب الموضوعية لقيام المجلس هي وصول دول الخليج العربية الست إلى طريق مسدود في محاولاتها لإقامة نظام أمني خليجي يضم إيران والعراق حيث اصطدمت مساعيها بمسألة سيادة الدول بالإضافة إلى مفهوم هذه الدول للأمن وارتباطه بمصالحها الوطنية وارتباطاتها الدولية.
لذا سعت دول المجلس إلى قيام مجلس التعاون تجسيداً لرغبتها في حماية مصالحها وأمنها وزيادة وتيرة التعاون فيما بينها في كل المجالات، كما جاء في النظام الأساسي المادة الرابعة. ومن ناحية أخرى، يرى فريق آخر أن قيام المجلس كان رد فعل لسقوط نظام الشاه في إيران وبروز إيران الثورية الساعية لفرض هيمنتها على الخليج وتصدير الحماسة الثورية لدول الجوار.
مهما تكن الأسباب التي شكلت قيام المجلس، فإن استمرار المجلس في أداء دوره وازدياده رسوخاً وتطوراً على مر الأيام يؤكد ويبرهن على صدق الأهداف والنوايا التي كان يؤمن بها المؤسسون الأوائل ويبعد عنه صفة الظرفية والمرحلية.
وعلى الرغم من أن المجلس وُلد في ظل ظروف أمنية معقدة وملحة، إلا أن الأهداف الاقتصادية التي كان يسعى إلى تحقيقها كانت الأبرز في نظامه الأساسي. إلا أن التطورات التي كانت تمر بها منطقة الخليج قد جعلت الهواجس الأمنية تسيطر على اهتمامات المجلس في السنوات العشر الأولى على الأقل، وذلك على حساب الاهتمامات الاقتصادية، والاجتماعية والثقافية.
إن النظرة الفاحصة لأداء مجلس التعاون منذ تكوينه وإلى يومنا هذا، تؤكد أن الإنجازات التي تحققت لم ترق لمستوى طموحات شعوب المنطقة وذلك على الرغم من مرور ربع قرن على تأسيسه، الواضح أن بعض الأهداف التي بموجبها تم تأسيس المجلس قد تم تحقيقها بشكل جزئي، ولقد اتسمت حركة الإنجازات بالبطء في كثير من الأحيان
كما أنها كانت دون الطموح في أحيان أخرى، وبخاصة في ما يتعلق بتعزيز الاعتماد الجماعي على الذات في مجال الأمن والدفاع وتحقيق التكامل الاقتصادي الحقيقي والجاد. فعلى المستوى السياسي على سبيل المثال، لم يستطع المجلس التدخل بشكل فعال لحل الأزمة العراقية ـــ الكويتية التي نشبت في عام 1990.
كما أن المجلس وقف مكتوف الأيدي إبان غزو واحتلال العراق في عام 2003، هذا إلى جانب إخفاقه في التنسيق على مستوى السياسة الخارجية في القضايا الإقليمية والدولية المهمة.
أما على المستوى الاقتصادي، فإن عملية الاندماج الاقتصادي بين دول المجلس لم تتم بالسرعة المطلوبة، فعملية الاتحاد الجمركي قد أعاقت تنفيذها اختلافات بعض الدول الأعضاء على نسبة التعرفة الجمركية، والمعروف أن الاتحاد الجمركي هو المحطة الرئيسية في الطريق إلى الاتحاد النقدي والعملة الخليجية الموحدة, وأخيراً السوق الخليجية المشتركة.
ونتيجة لذلك، دعت قمة المجلس الرابعة والعشرون والتي انعقدت في الكويت (21 ـــ 22 ديسمبر) إلى مراجعة وتقييم مسيرة المجلس خلال الفترة الماضية، وكلفت الهيئة الاستشارية بذلك، مما يؤكد وجود إدراك لدى قادة الدول الأعضاء بأهمية مراجعة هذه المسيرة بقصد تقرير الإيجابيات ومواجهة السلبيات وأوجه القصور.
بالإضافة إلى التحديات التقليدية التي لازمت المجلس منذ تأسيسه، فإن دول المجلس تواجه اليوم حملة من التحديات على مختلف الصعد أفرزتها المتغيرات والتطورات المتلاحقة في البيئة الإقليمية والدولية على السواء.
(أ) التحديات الداخلية
على المستوى الداخلي فإن دول المجلس تواجه العديد من التحديات لعل أبرزها يتمثل في القضايا التالية:
ــ الخلل السكاني »الديموغرافي«
الواضح أن التباين في التركيبة السكانية لدول المجلس وتزايد نسبة الوافدين على مواطني المجلس له إفرازاته وتداعياته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، مما يشكل تحدياً لدول المجلس ويدفعها لوضع التدابير والسياسات اللازمة لاحتواء هذه الظاهرة.
ــ تقلص دور دولة الرفاه
على صعيد آخر هناك بعض الهواجس المترتبة على تقلص دور دولة الرفاه، إما نتيجة لعمليات الإصلاح الاقتصادي أو صدمات تذبذب أسعار النفط وانعكاساتها السياسية، هذا بالإضافة إلى تفشي ظاهرة البطالة والتي تشكل بيئة ملائمة لتنامي ظاهرة التطرف والعنف والإرهاب.
ــ خلل النظام التعليمي
من التحديات المهمة التي تواجه دول المجلس تطوير النظم التعليمية وبخاصة بعد النمو السكاني وانعدام الخبرة الفنية وعجز المؤسسات التعليمية التقليدية إنتاج وإعداد مواطنين مؤهلين لتغطية متطلبات سوق العمل، ويرتبط هذا الموضوع بمسألة تعبئة الموارد البشرية الوطنية ورفع قدراتها حتى تتمكن من التعامل مع المتغيرات والمستجدات العالمية، وذلك بإصلاح النظم التعليمية وتنمية المهارات ورفع الكفاءة الإنتاجية.
ــ الإصلاح السياسي والديمقراطية
تمثل قضية الإصلاح السياسي والمشاركة في العملية السياسية أهم التحديات التي تواجه دول المجلس، وعلى قدرتها على إحداث عمليات الإصلاح السياسي بشكل متوازن، ويكمن التحدي في قضية الإصلاح السياسي بكونه مفروضاً من الخارج، وتبنى عليه كثيراً من السياسات التي تربط دول مجلس التعاون مع الدول الداعمة للإصلاح، مثل الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي.
ــ التحديات الاقتصادية
لعل التحدي الأساسي الذي يواجه دول المجلس على المستوى الاقتصادي هو قدرتها على التحرر من الاعتماد على البترول كمصدر رئيسي من مصادر دخلها القومي ومحاولة تنويع مصادر دخلها، وذلك بالبحث عن مصادر جديدة لزيادة دخلها الوطني، ولقد نجحت بعض دول المجلس وبدرجات متفاوتة في سعيها لاكتشاف مصادر جديدة لزيادة دخلها القومي.
(ب) تحدي استكمال خطوات الاندماج الاقتصادي
إن تحدي إنشاء الاتحاد النقدي الخليجي والعملة الخليجية الموحدة، سيظل هاجساً يؤرق مجلس التعاون بشكل مستمر،وهو يحتاج إلى المزيد من التغيرات، ويحتاج لوقت طويل وعمل مكثف، كما ان مكان وجود البنك المركزي سوف يخلق مشكلة، كما حدث لأوروبا.
(ج) تحدي توسيع المجلس
لقد ظلت مسألة توسيع المجلس، وذلك بانضمام بعض دول جواره الإقليمي، والتي تشاركه في بعض الصفات والخصائص لمنظومته وتمثل هاجساً للنخب الخليجية كمسألة انضمام اليمن لمنظومة المجلس مثلاً، فمستقبل نمو المجلس واتساعه سوف تحدوه بعض العوامل السياسية والاقتصادية والإستراتيجية واتجاهات النخب الخليجية.
(د) التحديات الإقليمية
غياب نموذج للأمن في الخليج
إن عدم الوصول إلى صيغة ملائمة للترتيبات الأمنية في الخليج تشمل دول مجلس التعاون الخليجي والعراق وإيران التي ما زالت تمثل عقبة في طريق الاستقرار في هذه المنطقة الحساسة من العالم، حيث قادت إلى تدخل دول أخرى وتحديداً الولايات المتحدة لضمان الأمن فيه.
ــ أسلحة الدمار الشامل وبروز إيران النووية
إن سعي إيران لامتلاك أسلحة نووية سيؤثر على المعادلة الأمنية في الخليج، ويخلق حالة من التسابق بين دول المنطقة لامتلاك أسلحة نووية لمعادلة الأسلحة النووية الإيرانية، الأمر الذي يزيد من وتيرة عدم الاستقرار السياسي ويؤثر على التنمية وانسياب حركة الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
ــ مستقبل العراق
من المؤكد أن مستقبل العراق يلقي بتداعياته على منطقة الخليج في حالة عدم الاستقرار والفوضى التي تعيش فيها العراق اليوم سوف تؤثر بالضرورة على استقرار دول المجلس، إن دول المجلس سوف تظل تنظر للأوضاع في العراق بحذر شديد، تحسباً لتداعياتها عليها.
آفاق المستقبل
من المؤكد أن مستقبل مجلس التعاون يبدو مرتبطاً بقدرته على التأقلم مع المتغيرات العديدة والمتسارعة التي تؤثر في منطقة الخليج وعلى قدرته في انفاذ السياسات والبرامج المقررة على المستوى الداخلي وعلى رأسها الانتقال من صيغة التعاون الهش إلى التكامل الحقيقي لمواكبة التحديات الاقتصادية الكبيرة التي تواجهها دوله.
كما ان قدرة المجلس على حث الدول على عدم التمسك بمبدأ السيادة الوطنية سوف يسهل عمل المجلس وقدرته التعاونية لاسيما في المجال الاقتصادي، إن إنفاذ المجلس لكثير من القرارات ذات العلاقة بالمواطن الخليجي سوف تجعل المواطن الخليجي يحس بانتمائه لمجلس التعاون وبأهميته.
إن أهم معضلة تواجه دول الخليج تتمثل في عجز بعض دوله عن تطبيق الإصلاحات الضرورية التي ستمكنها من مواجهة التحديات المستقبلية والمتمثلة في العولمة ومواكبة التطور السريع الذي تشهده البيئة الدولية.
إن نجاح المجلس في استكمال إقامة الاتحاد النقدي والعملة الخليجية الموحدة والسوق المشتركة سوف يساعد في تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة، الأمر الذي سوف يساعد في التنمية الحقيقية لدول المجلس.
باحث اقتصادي