(يعلمنا التاريخ وقوانين الطبيعة أنه إذا فشل أحد في سد الفراغ فسوف يسد هذا الفراغ أحد آخر، وفي السياسة، إذا فشل العرب في حل مشكلاتهم سيحلها لهم آخرون). كانت هذه الأسطر جزءاً من مقال للكاتب نشر في بداية عام 2003 تعليقا على أحداث عام مضى (2002) وبالنظر إلى ما حدث حتى اليوم من ذلك الوقت في العراق وفي أماكن أخرى من المنطقة العربية، فإن التوقع وقتها لم يكن بعيدا عن قراءة الواقع القادم، وهو واقع ما زال سائرا في نفس الطريق.

وعندما نتحدث عن مجلس التعاون اليوم ونحن نستقبل الاجتماع الذي يؤرخ على مستوى القمة لربع قرن من نشأة هذا الكيان الإقليمي السياسي نقرر من جديد أن المطلوب كثير والمحقق قليل.

الصورة في الخليج اليوم تختصرها مقولة أننا نعيش في مجتمع به »سلطة أكثر من مطلقة ومجتمع أكثر من عاجز« وكلاهما المجتمع والسلطة لا يملكان أجندة واضحة للمستقبل، لأن ضبابا يكتف الرؤية هو ضباب فوائض النفط. وإذا كان علم الاقتصاد تحدث أكثر من مرة عن »الفقاعة الاقتصادية« فإن اكبر فقاعة اقتصادية هي التي تعيشها المنطقة اليوم.

في المقابل لا يوجد لدينا قصور فيما تراه النخبة في بلاد الخليج ممّا يجب أن يتحقق،كما لا تنقصنا الدراسات الكثيرة، والناتجة من جملة لقاءات ومناقشات تمت بين مواطنين مهمومين بالمستقبل وبالأجيال المقبلة .

ما ينقصنا هو العناية الجادة بوقف النمو المتصاعد بشعور الإحباط للنخبة في الخليج، ووضع خطط طويلة المدى لما عرف اليوم بالتنمية المستدامة، تلك الاستراتيجية التي يجب أن ترسم لها خطط وتنفذ لها سياسات.

لعل الهموم الكبيرة في الخليج أربعة على الأقل، تفرع منها هموم أخرى : الهم الأول هو الاعتماد في الاقتصاد الخليجي على مادة ناضبة هي » النفط« ودون تدخل نشط من الدولة أو المجتمع لتحويل الريع النفطي المباشر والكثيف اليوم إلى مصدر ومحرك نشط للاقتصاد دائم ومستقر،

يستغني عن النفط في المستقبل، لأننا إن لم نفعل ذلك سنجد أنفسنا كإسبانيا بعد أن راكمت الذهب من أميركا الجنوبية انتبهت إلى أنها أفقر دولة في أوربا في بداية القرن الماضي! وهو أمر لا يوجد حوله وعي كاف في منطقتنا. فالريع النفطي افسد المجتمع بسبب سياسات التوزيع التي لا تعتمد استراتيجية طويلة المدى لاستنباط خطط حقيقة لتحويل المال المدار اليوم إلى رأسمال بشري طويل المدى.

الهم الثاني، التطرف باتجاهي العنف والاستهلاك البذخي الذي نراه منتشراً بين ظهرانينا، كلاهما تطرف ناتج عن فشل ذريع في المنظومة التعليمية في الخليج،وعلى الرغم من الكفاءة الخارجية للمنظومة التعليمية في الخليج »من حيث نمو عدد الجامعات وعدد المتعلمين« إلا أن الكفاءة الداخلية للمنظومة التعليمية في الخليج تثير الأسى، فهي تدفع بجهلاء من محو الأمية إلى سوق العمل،ومع الأسف من ضمنه سوق المنظومة التعليمية نفسها، فينتج الجهل مركباً.

الهم الثالث هو غياب الحركة الأهلية الفاعلة، فعلى الرغم من أن الحركة الأهلية تاريخيا في الخليج كانت نشطة، إلا أن موقعها اليوم قد أصابه »خوار النفط« فأصبحت شكلاً خارجياً قبل أن تكون ذات محتوى، ودون حركة مجتمع أهلي ناشط لن تتغير السياسات القائمة.

الهم الرابع، هو غياب خطط لإصلاح العلاقة بين السلطة والمجتمع، فالمجتمع ينمو بشكل مطرد كما وكيفا، وتطلع نخُبه إلى ما يحدث من تطور هائل في العالم يغريها بالمشاركة. والسلطة من جهة أخرى إما بطيئة في الاستجابة لإشراك المجتمع بأطيافه المختلفة في المشاركة في وضع خطط المستقبل للتطوير،أو هي حتى الآن حائرة في أي الطرق يمكن أن تسلك،مع تصاعد ضغوط خارجية وانتشار عدم رضى داخلي.

هذا كله يعطل مجهودات الإصلاح بشكل عام، ويعمق الاختلالات الهيكلية في المجتمعات الخليجية الاقتصادية والاجتماعية الثقافية، ما يعرضها إلى ضغوط من الخارج سياسية وانكشاف اقتصادي يقودان إلى خوار أمني بالغ الخطورة.

على الرغم من الكتابات الكثيرة حول الموضوع، فإن الخطوات المتخذة مازالت بطيئة ومترددة وقاصرة عن ملاقاة الطلب الاجتماعي المتنامي.قد لا تكون المخاطرة واضحة اليوم لدى متخذي القرار، ولكنها واضحة أمام من يرى الغابة ولا تتوقف رؤيته عند الشجرة فقط.

٭ كاتب كويتي