تحتضن دولة الإمارات العربية المتحدة بعد أيام القمة الـ 25 لقادة مجلس التعاون لدول الخليج العربية.. وفي هذه المناسبة استطلعت »البيان« آراء مجموعة من المفكرين والمثقفين، من المواطنين ومن بعض الدول الخليجية، للتعرف على رؤيتهم المستقبلية لمجلس التعاون، وعلى تقييمهم لأداء السنوات الماضية.. هل حقق ما يرجوه المواطنون في الدول الأعضاء؟ هل حقق أهدافه وغاياته؟ أين نجح وأين تعثر؟

وتطرقت آراء المشاركين في هذا الاستطلاع إلى مردودات القرارات على شعوب ودول المنطقة، بينما تحدث البعض عن »تجارب وحدوية عربية لم تكتمل«.. وقال أحد المشاركين أن قيام المجلس خطوة متقدمة تجاه توحيد وقدرات دول الأعضاء وتحويلها إلى كيان متعاون يحقق نهضة أبنائه.

ومن المؤكد أن الطموحات كبيرة بمستقبل المجلس، وأن هناك مجموعة من التحديات التي يواجهها.ويتحدث المشاركون في الاستطلاع عن الرؤية المستقبلية، وعن آمال أبناء المجلس، وطموحات الأخوة العرب في إثراء تجربة مجلس التعاون الذي يحتفل بمرور ربع قرن على انشائه.

وفي ما يلي آراء المفكرين الخليجيين حيال مستقبل مجلس التعاون: بقاؤه انجاز كبير يقول الدكتور سعيد حارب مستشار مدير جامعة الإمارات إن إنشاء مجلس التعاون الخليجي يعد معبراً عن آمال وتطلعات أبناء المنطقة الخليجية في التكتل على المستوى المحلي والإقليمي في زمن أصبحت فيه التكتلات جزءاً من العمل الدولي بخاصة في المجالين السياسي والاقتصادي، مشيراًً إلى أن ما دفع دول الخليج على إنشاء المجلس أن منطقة الخليج وقتها كانت تمر بظروف صعبة تحتاج للتلاحم على الصعيدين المؤسساتي الاجتماعي والسياسي الدولي.

وأضاف قائلاً: إنه ساهم في ذلك مجموعة من العوامل الثقافية والاجتماعية والدينية والاقتصادية لأبناء المنطقة ولذا تعلقت آمال أبناء المنطقة على هذا الكيان في أن يخطو بهم خطوة متعمقة وفعالة نحو العمل الوحدوي. ولهذا وبعد مرور هذه السنوات ما زال أبناء هذه الدول يطرحون تساؤلات كثيرة لعل في مقدمتها مدى ما حققه المجلس من انجازات ضمن أهدافه التي نص عليها النظام الأساسي له خاصة وأن القرارات والخطوات التي ينجزها المجلس لا يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

وقال د. حارب ولعل من إنجازات المجلس التي تحسب له أنه لا يزال محافظا على كيانه ولا يزال يحمل شعورا لدى أبناء المنطقة بوحدة المصير والعمل المشترك إضافة لما اتخذه من خطوات في المجالات التشريعية ومجالات التعاون الاقتصادي والعسكري الأمني.

ومن هنا فإن أبناء المنطقة ما زالوا متمسكين بهذا المشروع الإقليمي لكنهم في الوقت نفسه يشعرون أن ما تحقق على أرض الواقع من تواصل وتعاون فردي بين أبناء المنطقة تجاوز كثيرا ما حققه المجلس، فعلى سبيل المثال في المجال الاقتصادي خطت دول المنطقة منفردة أو باتفاقيات ثنائية خطوات واسعة في مجال التعاون الاقتصادي كالسماح لأبناء الدول الخليجية التملك في الدول الأخرى وكذلك الاستثمار والمعاملات المالية والاقتصادية على رغم أن هذه الخطوات بجهود محلية أو ذاتية للأفراد والمؤسسات.

وأكد د. حارب أن أغلب ما يشعر به أبناء المنطقة هو غيابهم عن التأثير في مجريات أعمال مجلس التعاون حيث يفتقر المجلس لأهم أداة نجاح وهي وجود مؤسسات تمثل القطاع الشعبي يكون لها دور فعال في اتخاذ القرارات هذا إذا استثنينا الهيئة الاستشارية التي هي هيئة معينة وشبه رسمية.

لذلك فإن النظرة إلى المستقبل تتطلب في نظر د. حارب إعادة النظر في مجمل مشروع مجلس التعاون الخليجي وأهدافه وتخصصاته في ظل المتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية.

انجازات لا يبرزها الإعلام الخليجي

يقول بلال البدور وكيل وزارة الثقافة والإعلام المساعد إن المجلس حقق ما يجب أن يتحقق كالأنظمة والبرامج المشتركة الكثيرة التي أقرت خلال الـ 24 سنة الماضية من عمر المجلس بعد دراستها من اللجان المتخصصة وعلى سبيل المثال لا الحصر التنقل بالبطاقة بين أبناء دول المجلس والتعرفة الجمركية والبرامج المشتركة الثقافية والاجتماعية والشبابية،

وقد لا يدرك رجل الشارع العادي حجم الإنجازات التي حققها المجلس ويتحمل الإعلام ووسائله جانبا مهما في عدم إبراز البرامج والفعاليات التي تنظم على مستوى دول التعاون أو بسبب تعامله معها بشكل مجزأ.

وأضاف البدور إن ما نطمح إليه جميعا أفراداً ومؤسسات المزيد من الاندماج وتحقيق التكامل التام الذي أنشئ المجلس لأجله ومن حق الجماهير أن تطالب وتسأل: متى يتم الوصول إلى التكامل التام الاقتصادي والاجتماعي بين دول المجلس؟

وعن تطلعات أبناء دول مجلس التعاون الخليجي يقول البدور إن من أهمها العملة الموحدة وحرية التنقل والاندماج وإنشاء المشاريع بشكل تكاملي تحرك الأيدي العاملة لدى معظمها وتقوي اقتصاد بعضها البعض وتعدل التركيبة السكانية لبعضها، وإذا ما وصلنا إلى ما وصلت إليه الوحدة الأوروبية فنكون قد حققنا الكثير.

وأضاف: أنا كمشارك في إعداد بعض البرامج سواء عندما كنت في قطاع الشباب أو قطاع الثقافة أعرف أن هناك جهوداً كبيرة تبذل في ذلك من قبل اللجان المختصة واللجان الوزارية وعلى مستوى القمة وأعتقد أن المسألة مسألة وقت فالربط الكهربائي بين دول المجلس مثلا مطمح ولكن لا بد من الأخذ في عين الاعتبار المعوقات وخصوصية كل دولة.

وأضاف البدور وإذا كان الهدف هو التكامل فدول الخليج تمتاز بوفرة في مواردها البشرية والاقتصادية والطبيعية والقدرات الأكاديمية والعلمية. وهذه القدرات موزعة بين الدول الأعضاء.. والمطلوب هو الوصول لدور تكاملي، وعندها ستصل دول الخليج إلى أكثر مما وصلت إليه دول الاتحاد الأوروبي.

تحرك مشاعر المواطن الخليجي

أكد الدكتور صلاح عبد العزيز القاسم أمين عام مجلس دبي الثقافي أن الإنجازات التي حققها مجلس التعاون الخليجي خلال مسيرته المباركة التي أرسى دعائمها المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه انعكست مردوداتها وايجابياتها على كل شعوب ودول المنطقة مؤكدا أن حالة الرخاء والرفاهية التي يعيشها المواطن الخليجي اليوم ما هي إلا ثمرة من ثمار المجلس.

وقال الدكتور القاسم انه » منذ بداية انطلاقة مجلس التعاون الخليجي في عام 1981 في أبو ظبي أصبح الخليج الذي كان مجزءاً بدوله وشعوبه بسبب غياب القرارات السياسية من أعلى المستويات أمة واحدة وهوية واحدة وصفا واحدا في مواجهة كل الظروف والتحديات.

وأشار إلى أن الانجازات التي حققها للمجلس خلال مسيرته القصيرة مقارنة بعمر الشعوب والدول لا يمكن حصرها، فتنقل الخليجيين بين دول المجلس الذي كان حلم وطموح كل مواطن خليجي أصبح اليوم حقيقة، والتعاون والتنسيق في كل المجالات الصحية والتعليمية والثقافية والدينية التي حققت لأبناء ودول المجلس المزيد من التقدم والرخاء،

موضحاً أن القرارات التي صدرت عن القمم الخليجية السابقة والمتمثلة في التوقيع على الاتفاقية الاقتصادية والاتحاد الجمركي والعملة الموحدة ستكون بلا شك حال البدء في تطبيقها بداية التفاعل الحقيقي بين قيادات وحكومات دول مجلس التعاون وبين المواطنين في هذه الدول فما يهم المواطن الخليجي هو اقترابه وملامسته للانجازات الحقيقية التي تحرك مشاعره

وتجعله يحس بأن نوعية الانجازات التي تتحقق في القمم الخليجية تخصه مباشرة ومن حقه أن يجني ثمارها في فترة زمنية قصيرة لأنه بذلك يقترب أكثر من القمم وتزداد روابط المحبة مع كل قمة من قمم مجلس التعاون الخليجي لثقة هذا المواطن بأن هذه القمم التي تعقد سنويا هدفها الانجازات وليست مجرد رفع الشعارات.

وأعرب أمين عام مجلس دبي الثقافي عن أمله في أن تتوصل القمة الخليجية التي ستستضيفها أبو ظبي إلى قرارات تحقق لشعوب ودول المنطقة المزيد من التقدم والرخاء.

توحيد مقدرات الخليج لتحقيق الطموحات

أكد الدكتور احمد الهاشمي وكيل وزارة الصحة المساعد مدير منطقة دبي الطبية أن الإنجازات التي حققها مجلس التعاون الخليجي والذي شارك المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه في تأسيس دعائمه في العام 1981 تعتبر خطوة متقدمة تجاه توحيد مقدرات دول الخليج العربية وتحويلها إلى كيان متعاون يمكنه تحقيق الطموحات والآمال بنهوضها وتقدمها في مختلف المجالات.

وقال الهاشمي بأن النظرة إلى مجلس التعاون هي نظرة التقدير والوفاء لهذا الصرح العظيم المؤمن بالمصير المشترك للأمة العربية والإسلامية والذي يسعى دائماً وأبداً إلى تحقيق مستقبل أفضل لهاتين الأمتين ومصالحهما الحيوية لمواجهة تحديات المستقبل.

وأشار إلى أن المجلس يلعب دوراً ملموساً في مسيرة العمل المشترك بين دوله وفي المشاورات المستمرة في القضايا ذات الاهتمام المشترك سواء كان فيما بينها وما يعتمل داخلها، أو على الأصعدة العربية والإقليمية والدولية،

ولا شك في أن هذه الثوابت التي انتهجها مجلس التعاون لدول الخليج العربية في مسيرته الماضية ستجد مكانتها في جدول أعمال واهتمامات القمة المقبلة التي ستعقد في أبوظبي والتي نأمل أن تتخذ خطوات اكبر في المجال الاقتصادي تلبية لطموحات وآمال وتطلعات شعوب دول المجلس في التقدم والرخاء والازدهار.

وقال د. الهاشمي بأن انعقاد قمة أبوظبي يأتي وسط متغيرات سياسية واقتصادية دولية هامة وما من شك أن هذه القمة يتطلع إليها العالم باهتمام لما سينتج عنها من قرارات مؤثرة على المستويين الإقليمي والدولي، نظراً للأهمية التي تتمتع بها دول مجلس التعاون بين دول العالم.

وأشار إلى أن أبناء الخليج يتطلعون للقمة المقبلة بعيون ثاقبة آملين أن يتم فيها اتخاذ القرارات التي تسهم في تحقق الرفاهية لكل فئات المجتمع وأن نرى الانجازات تتحقق على ارض الواقع.

استمراريته دليل النجاح

ثمن العميد سعيد مطر بن بليله مدير إدارة الجنسية والإقامة في دبي الخطوة البناءة التي اتخذها قادة دول الخليج في قيام مجلس التعاون الخليجي، وقال إنها »أتت لصالح الشعوب الخليجية، معتبراً استمراريته حتى الآن له أكبر دليل على نجاح هذا الكيان«.

وأشار إلى أن احتضان دولة الإمارات القمة بعد ربع قرن من هذه المسيرة التي بدأت أيضاً من دولة الإمارات والعاصمة أبوظبي وبمبادرة من المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان يعطيها أهمية كبيرة.

قائلاً: »إن تطلعات شعوب الخليج لهذه القمة تأتي ضمن طموحات هذه الشعوب لترسيخ هذا التعاون على كل الأصعدة وخصوصاً أن مسيرة هذا الكيان كانت حافلة بالأحداث والقرارات خصوصاً على المستويين الاقتصادي والأمني«. وفي النهاية لا يسعني إلا الدعاء بالتوفيق لقادتنا وأن تكون هذه القمة فأل خير ورخاء لكل الشعوب.

إنجازات كبيرة تدعو إلى الفخر

تقول د. روضة المطوع رئيس مجلس سيدات أعمال أبوظبي إن دول مجلس التعاون الخليجي حققت منذ تأسيس المجلس قبل ربع قرن من الزمان، انجازات كبيرة وعلى كل الأصعدة، ولا يمكن للمراقب أو للمواطن في دول المجلس إلا أن يفتخر بما تم تحقيقه من انجازات نحو المزيد من الترابط والتقارب لتحقيق الوحدة الخليجية المنشودة وخاصة إقامة السوق الخليجية المشتركة والبدء في تنفيذ الاتحاد النقدي بين دول المجلس والاستمرار في الاتجاه نحو انجاز التعرفة الجمركية الموحدة.

وتضيف د. المطوع: ان المواطن الخليجي لا يزال يعتبر ما تم انجازه في مجال التعاون الاقتصادي بين دول المجلس أقل من الطموح والأمل المنشود، فمنذ توقيع الاتفاقية الاقتصادية الموحدة في العام 1981 والتي تستهدف كما جاء في مقدمتها تنمية وتوسيع وتدعيم الروابط الاقتصادية وتنسيق وتوحيد سياساتها الاقتصادية والمالية والنقدية والتشريعات التجارية والصناعية والنظم الجمركية فيها،

يرى المواطن الخليجي أن ما تم انجازه لا يزال في حدوده المتواضعة حيث لم تنعكس الانجازات القليلة التي تحققت على واقع الحياة اليومية لمواطني المجلس وبالتالي لابد من التسريع وتركيز جهود المجلس في تنفيذ التوصيات الاقتصادية وتنفيذ بنود الاتفاقية الاقتصادية الموحدة وإزالة المعوقات الناجمة عن التشابه بين النظم الاقتصادية والموارد والأنشطة الاقتصادية السائدة في دول المجلس والتي تؤدي إلى تنافس هذه الاقتصادات فيما بينها بدلا من حدوث التكامل بما يقوي أداءها وموقفها في مفاوضاتها مع التكتلات الاقتصادية الأخرى.

وتشير د. روضة المطوع إلى أنه لابد من التأكيد على أهمية وجود رؤية مستقبلية واضحة لدى جميع دول المجلس حول ما هو المطلوب فعله لتسريع عملية التكامل والوحدة الاقتصادية من خلال وجود استراتيجية واضحة المعالم تغطي فترة طويلة من الزمن وتحدد هذه الاستراتيجية أهم القضايا والموضوعات الواجب التركيز عليها واتخاذ قرارات مهمة ومحورية بشأنها من شأن هذه القرارات أن تحدث تأثيراً ملموساً على حياة مواطني المجلس بحيث يلمس المواطن الخليجي العادي أثر هذه الوحدة في حياته اليومية وفي رسم مستقبله ومستقبل المجتمعات الخليجية.

انجازات أمنية ودفاعية

الكاتب الدكتور محمد عاكف جمال يقول: ربع قرن مضى، منذ الإعلان، عن تأسيس مجلس التعاون الخليجي، ومنذ ذلك الحين، حرصت هذه الدول، على إدامة الصلات الوثيقة بينها، من أجل تحقيق أهدافها. هنالك ميزتان هامتان يتصف بهما هذا المجلس:

أولهما: أن دوله تتميز بالثراء، بسبب وجود احتياطي ضخم، من النفط والغاز.

ثانيهما: إن المجلس بأهدافه المعلنة، ومواقف الدول التي تنتمي إليه، لا يمثل تهديداً، لأي دولة مجاورة أو قريبة، بل على العكس من ذلك، تعرضت بعض دوله، إلى العدوان، وإلى سلب بعض حقوقها، من قبل دول جارة.

حقق المجلس، منذ نشأته، وحتى الآن، تقارباً وتكاملاً، في سياساته الأمنية والدفاعية، أكثر مما حقق، في مجال التكامل الاقتصادي. وهذا الأمر، يرجع بالدرجة الأولى، إلى الدوافع الأساسية التي كانت وراء تأسيسه، وهي دوافع أمنية، تحسباً للمخاطر، التي كان من الممكن أن تنتشر، إلى منطقة الخليج، بسبب اندلاع الحرب العراقية الإيرانية.

يتطلب التكامل الاقتصادي، بناء علاقات تجارية، كبيرة الحجم، بين دول المجلس، إلا أن طبيعة اقتصاد دوله لا تساعد على ذلك. فاقتصادها الذي يعتمد بشكل أساسي، على إيرادات تصدير النفط والغاز، يخلق بالضرورة أواصر اقتصادية متينة، مع الدول التي تستورد النفط والغاز،

وليس مع دول المجلس نفسه، مما يبقي التعاون الاقتصادي، بين هذه الدول، محدوداً، لا يزيد حجمه على جزء يسير من ميزانها التجاري، ويدفع بفكرة التكامل الاقتصادي، إلى مرتبة ثانوية الأهمية. ولعل هذا ما يفسر عدم اتخاذ خطوات نحو توحيد العملة الخليجية.

وإذا حافظت منطقة الشرق الأوسط، والخليج بشكل خاص، على استقرار نسبي، لا تعكره هزات كبيرة، في الفترة المقبلة، وحتى نهاية العقد الحالي،، فإن دول المجلس، ستحافظ على معدل من النمو الاقتصادي، لا يزيد على 2 في المئة، وفق تنبؤات صندوق النقد الدولي، في حين يبلغ معدل نموها السكاني 3.5 في المئة، وهي نسبة عالية. ويعكس هذا التفاوت بين معدل النمو الاقتصادي، ومعدل النمو السكاني، حالة غير صحية، يتوقع في حدوث تراجع في معدل دخل الفرد، وبالتالي تراجعاً في مستوى الرفاه.

وتسعى بعض دول المجلس، إلى العمل على تلافي ذلك، وإلى تحقيق التوازن، مع نهاية هذا العقد، في حين أن دولاً أخرى، ستعجز عن ذلك، وسيصل العجز فيها، حسب تنبؤات صندوق النقد الدولي، إلى ما يقرب من 10 في المئة، من مجمل الناتج المحلي. ما يؤدي إلى الاستهلاك التدريجي لأرصدتها، وإلى زيادة مديونيتها، الداخلية والخارجية، ما لم تبادر إلى معالجة ذلك من خلال سياسات مناسبة، ترفع من معدلات النمو.

كما أن التباطؤ في النمو الاقتصادي، من جهة، وعدم وجود تنوع في مصادر الدخل الوطني، من جهة أخرى، سيعملان على الحد من القدرة، على امتصاص القوة العاملة الوطنية، التي تنمو بسرعة، وتزداد ضغوطاتها على الحكومات المعنية.

ومع أن دول المجلس جميعاً، تتأثر بتباطؤ النمو الاقتصادي، إلا أن هنالك فروقات في درجات التأثر، تتناسب مع درجة اعتماد الاقتصاد على إيرادات النفط أو الغاز، ومع مستويات المتبقي من الاحتياطات النفطية والغازية، ومدى التنوع في مصادر الدخل الوطني، وعلى حجم النمو السكاني.

ليست هذه الأمور، بخافية على القيادات الخليجية، فهنالك استراتيجيات ترسم، في بعض دول المجلس، لتنويع مصادر الدخل الوطني، وتقليل الاعتماد على إيرادات النفط أو الغاز، وفتح آفاق جديدة للنمو الاقتصادي من خلال اعتماد:

1. سياسات تستند إلى حاجات السوق، وإعادة هيكلة الاقتصاد، وتخفيض الدعم والحماية للوقود ولبعض السلع الأخرى، ومنح القطاع الخاص، المزيد من القدرات على ممارسة نشاطاته.

2. سياسات تتعلق بقوانين العمل والأجور، لتوفير وسائل امتصاص القوى العاملة الوطنية، التي تنمو بسرعة، وهي إستراتيجية عملية، ويكتب لها النجاح إذا اقترنت، بتدريب هذه القوى وتأهيلها، من خلال برامج متطورة، ومعدة بعناية.

إن تطبيق هذه السياسات، سيسهم في التقليل من تأثير تقلبات أسواق النفط على دول الخليج في المستقبل، ويضع دوله، في موقع المستفيد، من الأنماط المفضلة، في الاقتصاد العالمي.

»امتحان الكويت« زاده اتحاداً وتضامناً

ويقول الكاتب الأكاديمي الكويتي د. محمد حسين اليوسفي حينما أنظر إلى الوراء، إلى ربع قرن مضى، يوم أن بدأت الخطوات الأولي لإنشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية في العام 1981 أرى بأنه جاء في وقت عصيب، حيث كانت الثورة الإيرانية في أوج عنفوانها، وحيث بدأت الحرب العراقية الإيرانية تدق أبواب المنطقة بشدة فتؤثر على نسيجه الاجتماعي وتوتر أوضاعه السياسية. وكان يغلب على تفكيري آنئذ النظرة السلبية لهذا التجمع، وإن كنت ميالاً لأي مشروع وحدوي »لعل وعسى« أن يكون قادراً على جمع الشتات العربي.

كانت مرارة التجارب الوحدوية عالقة بالذهن، لعل أبرزها تلك التجربة التي وأدها للتو صدام حسين بأشهر قليلة قبيل دخوله الحرب مع إيران. والواقع، إن تلك التجربة الوحدوية، أقصد بين سوريا والعراق، لوقيض لها النجاح لأتت بثمار طيبة، لتجاور البلدين وتداخل شعبيهما،

ولوجود حزب واحد يحكم البلدين، وهذا الحزب قد رفع شعاراً واحداً منذ تأسيسه في ثلاثينات القرن الماضي يتمثل في »أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة.«!! ويقول اليوسفي ان تلك التجربة كانت المحاولة الجدية الثانية بعد الوحدة الواقعية التي تمت بين مصر وسوريا تحت اسم »الجمهورية العربية المتحدة« بين فبراير 1958 وسبتمبر 1961 والتي »أزهق روحها »البعثيون ليفقدوا منذئذ« مبرر وجودهم »كحزب وحدوي.

أما تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة فقد كانت لا تزال غضة لم يمض عليها سوى عقد واحد. وقد سبقت تلك التجربة محاولات إنشاء اتحاد تساعي يضم إلى جانب الإمارات المنضوية حالياً في دولة الإمارات كلاً من قطر والبحرين، ولو نجحت تلك المحاولة لكانت خيراً كثيراً على المنطقة.

وأضاف أن مجلس التعاون الخليجي صمد في سنوات الحرب الإيرانية العراقية التي امتدت ثماني سنوات عجاف، ثم ظهر له منافس حينما وضعت الحرب أوزارها في الاتحاد العربي الذي ضم كلاً من العراق ومصر والأردن واليمن. لكن سرعان ما انفرط عقد هذا الاتحاد،

حينما احتلت القوات العراقية دولة الكويت في أغسطس من العام 1990 ليتبين أن صدام حسين اتخذ من ذلك الاتحاد وسيلة لتحييد مصر فيما كان ينتوي الإقدام عليه. فواجه مجلس التعاون حينئذ معضلة باحتلال دولة عضو فيه، وهو امتحان كان صعباً، حيث أبلت دوله بلاءً حسناً لتخرج منه وهي أكثر اتحاداً وتضامناً.

وفي هذه المرحلة ظهر تجمع عربي آخر وهو الاتحاد المغاربي الذي ضم دول المغرب العربي، لكن هذا الاتحاد ظل »حبراً على ورق« ولم يجتمع زعماؤه بكامل عددهم ولو مرة واحدة، وظل الخلاف الجزائري المغربي – وهو خلاف لا يفهم سره أبناء الأمة العربية – العقبة الكأداء أمام ذلك الاتحاد لدرجة أنه دفع العقيد معمر القذافي »بالكفر« بفكرة الوحدة العربية والتوجه صوب أفريقيا.

ويقول د. اليوسفي لم يكن عقد التسعينات وبداية الألفية الثالثة وقتاً هيناً على مجلس التعاون الخليجي، فالحصار الذي تعرض له العراق كان مؤلماً وطويلاً وعوقب شعب بجريرة حاكمه، ثم جاءت الحرب الأميركية وإسقاط نظام صدام حسين وظهور نظام جديد، ما زال في طور التشكل.

وفي هذه الأثناء واجهت دول المجلس وتحديداً المملكة العربية السعودية خطر الإرهاب الأصولي، وتغيرت نظرة الحليف الأميركي، ورغم ذلك، صمد هذا المجلس ليقترب من »يوبيله الفضي«، ولعل في هذا الاستمرار حسنته الأهم، مقارنة بالتجارب العربية في العمل المشترك التي كان سرعان ما ينفرط عقدها ويكون مآلها الفشل.

وإذا ما انطلقنا من »معيار واقعي« للحكم على تجربة دول مجلس التعاون الخليجي، وكان معيارنا، التجارب العربية الوحدوية أو تجارب العمل المشترك، فإن حصيلة تجربة مجلس التعاون ستكون حصيلة ايجابية، بيد أن هذا لا يمنع مواطني دول مجلس التعاون الخليجي بأن يحلموا، بل يعملوا من أجل تطوير هذا الكيان ليتواكب مع طموحاتهم وآمالهم في الوحدة الكاملة.

من الظلم اتهام مؤسساته بالفشل

ويقول د. عبدالمالك خلف التميمي انه عندما قام مجلس التعاون لدول الخليج العربية لم يتحمس له الكثيرون، ويرجع السبب إلى قناعاتهم بأن مشروعاً كهذا لا يختلف عن الجامعة العربية، فهو منظمة رسمية وجامعة الدول العربية التي قامت بعد الحرب العالمية الثانية قد مضى عليها ستة عقود دون أن تحقق ما كان ولا يزال العرب يأملون منها، ولا حتى الحد الأدنى من الطموحات والآمال. فماذا يمكن لمجلس التعاون لدول الخليج العربية أن يفعل وهو لا يختلف كثيراً عنها؟

بيد أن هناك رأياً آخر يرى أننا لا يجب أن نبحث في الأسباب الأمنية التي أدت إلى قيام مجلس التعاون بل فيما تحقق بالفعل على أرض الواقع، وأن هذه التجربة الخليجية تختلف عن الجامعة العربية للتماثل في الأوضاع التي تعيشها دول الخليج العربية اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً.

ونحن لا نذهب كثيراً في تحليل الرأيين بل نقف لنقيم مسيرة المجلس خلال الربع قرن الماضية من عمره، فما هي انجازاته، وما هي اخفاقاته وإلى أين يتجه؟ أولاً وقبل كل شيء من الظلم الحكم على كل المؤسسات الرسمية بالفشل مقارنة بالجامعة العربية، وثانياً لا نعتقد بأن مهمتنا تلميع وتضخيم نشاطات المجلس، ولا تقزيمها. وما هي الحقيقة في الخطوات الاستراتيجية التي حققها المجلس؟!

البداية ما هي التحديات التي كانت تواجه مجلس التعاون؟ وما هو المأمول منه الذي تحقق أو لم يتحقق؟ ففي مسألة المقومات الأساسية لدول مجلس التعاون التي هي التركيبة السكانية، والموارد، والمشروعات المشتركة.

ومواجهة مشكلات الحدود والأمن والتعليم، والحرية والديمقراطية، والمرأة والإصلاح، وتأمل هذه القضايا الأساسية وعدم تصدي مجلس التعاون لها بالجدية والمستوى المطلوب يقلق الكثيرين من أبناء هذه المنطقة على حاضرهم ومستقبلهم لا بل على مستقبل مجلس التعاون الذي كانوا يأملون تطور تجربته ليرقى إلى صبغة اتحادية بين دوله.

أما الذين يرون أن مجلس التعاون حقق الكثير من الانجازات الاستراتيجية، ويجيدون فن الخطاب والمديح فلسنا منهم أو معهم، أولئك يرون أن مجرد وجود المجلس انجازاً، وان مؤسساته عملت خلال الفترة الماضية في حدود الممكن في ظل الأوضاع القائمة إلخ بالإبقاء على الوضع الراهن، وما دمنا في ظل الدولة الريعية وأوضاعنا المادية مريحة فعلينا أن نقتنع ونسكت!

بعد هذه الفترة الزمنية ومهما كانت المعوقات علينا أن نقوم بتقييم التجربة موضوعياً، ونطرح الاشكاليات الأساسية التي ينبغي على مجلس التعاون أن يخطو باتجاهها. وقد يرى البعض ان التفاؤل لا يفيدو، وإن المجلس الذي لم يحقق خطوات مهمة في ربع قرن لن يستطيع أن يحقق شيئاً مهماً في ربع القرن المقبل. لا نريد أن نغرق في التشاؤم ولا التفاؤل لكننا نؤكد أن الأولويات والأساسيات أمام مجلس التعاون وهي:

أولاً: أن يفسح المجال للإصلاح السياسي الذي سيترتب عليه الإصلاح في كل المجالات في دولنا، وأن نبادر في ذلك ولا ننتظر من يوجهنا.

ثانياً: إن الإصلاح السياسي سيفتح المجال ليكون للمجلس بعداً شعبياً ولا يقتصر على دوره الرسمي.

ثالثاً: إعادة النظر، بنظرة استراتيجية، في التركيبة السكانية في دول المنطقة فليس من المعقول أن يكون الوافدون أكثر من المواطنين في دولنا.

رابعاً: خلق السوق الخليجية المشتركة ليتحرك القطاعان العام والخاص في هذا الاتجاه.

خامساً: توحيد المناهج التعليمية في تعليمنا العام بخطوات جادة، ونزع الأدلجة الدينية والسياسية منها.

سادساً: العودة الفعلية للمشروعات المشتركة على كل المستويات وليس تفكيكاً وعرقلة قيام الجديد منها وفسح المجال أمام المرأة لممارسة دورها على كل المستويات. هذه بعض الخطوات التي لا تزال أملاً يرتجى.

موقف واحد وكلمة ساقبة

ويقول عصام الحميدان النائب العام بالنيابة العامة في دبي ان مجلس التعاون الخليجي ثمرة طيبة وفكرة سديدة أوجدها حكام ورؤساء دول الخليج العربي، ويكفينا فخرا أن أول اجتماع به كان على أرض دولة الإمارات.

واتخذ المجلس الكثير من القرارات التي انعكست آثارها الإيجابية على مواطني دول الخليج مباشرة وعلى الدول العربية والعالم بشكل غير مباشر، ولا يخفى على أحد ما نتج عن هذا التعاون من انعكاس للسياسات الخليجية والموقف الثابت والكلمة الواحدة تجاه القضايا الإقليمية والعالمية مما يدعم موقف دول الخليج ويزيد من قوتها ومركزها السياسي، فالاجتماعات الدورية التي تعقد بين أعضاء المجلس تهدف إلى مراجعة القرارات ومتابعتها وتنفيذها وتطويرها.

وأوضح الحميدان أن التقارب والتواصل الدائم بين دول الخليج يؤدي إلى متابعة الأفكار وترجمتها وإظهار نتائجها على جميع الدول العربية والخليجية، حيث عمل المجلس على التقريب بين الدول الأعضاء على جميع الأصعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والرياضية وليس على الصعيد السياسي فقط كما يفهم من أول وهلة،

وهذا التعاون وجد بحكم الجيرة والقرابة بين دول الخليج إضافة إلى تشابه العادات والتقاليد واللغة والمصير المشترك والأهداف والغايات وغيرها الكثير التي تدعو إلى إيجاد تعاون مشترك مثمر بين هذه الدول المتشابكة المصالح، والتي أدت إلى ترابط الأفكار بين الأشقاء

وأوجدت مجتمعاً واحداً خليجياً مترابطاً، وإذا ما نظرنا لتعاون دول مجلس الخليج العربي على الخارطة العالمية لوجدنا أنه يشكل تكتلاً سياسياً له ثقل على غرار التكتلات العالمية، وهذا يعكس صورة حضارية متمدنة للخليج العربي بين دول العالم.

وبشأن التعاون القضائي أشار الحميدان إلى أن اتفاقات عديدة كاتفاقية الرياض والتي تشمل جميع الدول العربية وتسري على دول الخليج، إضافة إلى اتفاقيات قضائية ثنائية تجمع مابين دول الخليج ساعدت على تحسين سير القضاء في دول الخليج والتنسيق بين هذه الدول في الكثير من الأمور التي تمس الأمن الخليجي. وأضاف الحميدان: نطمح كمواطنين في دول الخليج أن يستمر المجلس في تعاونه وأن يفعل دوره بشكل اكبر ليتحول إلى دولة واحدة متفقه في جميع المجالات.

إعداد ـ وحدة الدراسات