بدأ الأمن الفلسطيني اخيرا حملة شاملة في الضفة والقطاع تهدف إلى وقف مظاهر الانفلات الأمني الذي يعصف فيها منذ ثلاثة أعوام. لكن الحملة اقتصرت على مظاهر الفوضى والاعتداء على الأملاك العامة والخاصة من دون ان تصل إلى مصادرة السلاح الذي بات يشكل مصدر رعب للمواطنين الفلسطينيين.
ويقول مسؤولون فلسطينيون ان المرحلة التالية من الحملة ستصل إلى مصادرة السلاح لكن الكثيرين يشككون في قدرة السلطة على نزع أسلحة الفصائل التي باتت تتمتع بقوة أكبر من تلك التي تتمتع بها السلطة.وبدأت الحملة في مدينة نابلس التي تشكل النموذج الأوضح لحالة الانفلات الأمني وامتدت منها إلى باقي المدن والمحافظات.
ويقول زهير الدبعي مدير الأوقاف وأحد الشخصيات العامة في نابلس »ان عدداً من المسلحين يمارسون السلطة في المدينة على طريقتهم. بعضهم يقوم بتحصيل ديون، والبعض الآخر يتدخل في الخلافات العائلية. بعضهم يعاقب من يرى أن عليه واجب معاقبتهم، والبعض يستخدم أدواته في حل الخلافات. فقد يقدم مثلاً على حرق محل تجاري لشخص لم ينصع لمطالبه بدفع ديون مفترضة أو مستحقة لشخص آخر وهكذا«.
وزهير الدبعي الذي عاصر جميع الهبات والانتفاضات الشعبية منذ بداية الاحتلال عام 67 حتى اليوم يرى قاسماً مشتركاً بين هذه الانتفاضات والهبات وهي أنها تبدأ ضد الاحتلال وتنتهي ضد المواطن. وقال: »جميع الانتفاضات في تاريخنا كانت تبدأ ضد الاحتلال لكن نهايتها كانت تأخذ مساراً آخر ضد المواطن «.
وتشير إحصاءات متقاربة للهيئة المستقلة لحقوق المواطن ومقرها رام الله والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان ومقرة غزة إلى أن عدد ضحايا العنف الداخلي »عنف الانفلات الأمني« ربما زاد هذا العام عن عدد ضحايا الاحتلال.
وقال ماجد العاروري منسق التوعية الجماهيرية في الهيئة المستقلة لحقوق المواطن ان أكثر من 160 مواطناً سقطوا في حوادث عنف وانفلات أمني بينهم 35 سقطوا في ظروف غامضة، منهم عشرون قتلوا في الآونة الأخيرة، في مهرجان حركة حماس جباليا وقبلهم ستة قتلوا في انفجار في بيت أحد أفراد الحركة في الشجاعية.
وتبين هذه المعطيات أن عدد ضحايا الانفلات هذا العام زاد بصورة كبيرة مقارنة مع عدد ضحاياه في الأعوام الماضية والذي بلغ 93 ضحية في العام 2004 و65 في العام 2003 و43 في العام 2002 وفق إحصاءات الهيئة المستقلة.
وزاد عدد المصابين والجرحى هذا العام بنسبة فاقت الـ 100 في المئة مقارنة مع عددهم العام الماضي حيث وصل العدد إلى 300 جريح في قطاع غزة لوحده وفق احصاءات المركز الفلسطيني.
ويقول ماجد العاروري إن إحصاءات ضحايا الانفلات الأمني لهذا العام تظهر ارتفاعاً في عدد ضحايا الشجار والثأر العائلي وفي استهداف رجال الأمن، مشيراً إلى أن 12 رجل أمن قتلوا منذ مطلع العام في حوادث تصنف ضمن دائرة الانفلات الأمني. ولفت إلى أن العام 2005 سجل تزايداً ملحوظاً في الاعتداء على رموز ومظاهر السلطة القضائية، مشيراً إلى استهداف رئيس مجلس القضاء الأعلى والنائب العام واقتحام سجون وقتل موقوفين.
وفي القطاع الذي يبلغ عدد سكانه مليون و300 ألف نسمة غلب الطابع السياسي على الكثير من حوادث وجرائم الانفلات الأمني. فقد شهد القطاع هذا العام مئات الحوادث والجرائم التي امتدت من الإعدام الميداني إلى الخطف والتعذيب وإحراق ممتلكات خاصة واحتلال ممتلكات عامة لغرض الضغط والابتزاز السياسي.
تقول ابتسام زقوت الباحثة في المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في غزة، إن هذا العام انطبع بحوادث إساءة استخدام السلاح من قبل أشخاص يمثلون السلطة سواء سلطة الدولة أو سلطة الحزب السياسي، مشيرة إلى اشتباكات بين حماس والسلطة واشتباكات داخل مجموعات تنسب نفسها لحركة فتح أو بين مجموعات من فتح والسلطة.
وكانت آخر أحداث الانفلات الناجم عن إساءة استخدام السلاح والسلطة السياسية وقعت مؤخراً في مخيم الشاطئ وحي الشيخ رضوان عندما قام مسلحون من حركة حماس بهجوم على مركز للشرطة مستخدمين قذائف الآر بي جي ما أدى لمصرع ضابط واثنين من المواطنين.
واللافت في هذا الهجوم أنه وقع على خلفية قيام الشرطة بالتدخل لفض شجار شخصي كان أحد أطرافه عضو بارز في حركة حماس الأمر الذي قد يتكرر مراراً في المستقبل.
وترتفع حوادث الانفلات الأمني في غزة عنها في الضفة لأسباب منها اتساع ظاهرة انتشار السلاح والغطاء الذي حظي به هذا السلاح بعد الانسحاب الإسرائيلي من القطاع. ويقول مسؤولون في وزارة الداخلية إن عدد المجموعات المسلحة وعدد قطع السلاح في القطاع ارتفع بصورة لافتة بعد الانسحاب الإسرائيلي، مشيرين إلى أن الكثيرين أخذوا يستخدمون السلاح والتمركز في مجموعات وسيلة للضغط والابتزاز وممارسة السلطة.
وفي غالب الأحيان يبقى المتسببون في حوادث وجرائم الانفلات الأمني طلقاء لتمتعهم بحماية سياسية وعسكرية تتمثل في مجموعات وفصائل ومراكز قوى في أجهزة أمنية.وتبين معلومات الهيئة المستقلة لحقوق المواطن أن عدد المعتقلين في سجون السلطة على خلفية جرائم قتل يبلغ 55 في حين يزيد عدد هذا النوع من الجرائم التي ارتكبت في سنوات الانتفاضة عن 300 جريمة.
وتعترف وزارة الداخلية بالصعوبات الكبيرة التي تواجهها في تنفيذ القانون على هذه المجموعات. يقول توفيق أبو خوصة الناطق باسم الوزارة: الخطة الأمنية موجودة لكنها تواجه صعوبات من قبل المستفيدين من الانفلات الأمني«.
ومضى يقول:« الكثير من هذه المجموعات والأجنحة العسكرية والمسلحة كبيرة العدد تقاوم فرض النظام والقانون بقوة لأن سيادة القانون تعني تجريدها من امتيازات ومصادر قوة كبيرة تتمتع بها اليوم.
وأضاف متسائلاً:« هل يقبل زعيم هذه المجموعة الذي يتمتع بقوة اليوم أن يتحول إلى إنسان عادي أو مجرد رجل أمن ويتخلى عن كل مصادر القوة التي يتمتع بها اليوم؟ وحركة حماس هل تتخلى عن السلاح الذي يمنحها كل هذه القوة التي تستخدمها في تهديد السلطة؟
وكانت وزارة الداخلية ذكرت انها تعكف على إعداد خطة لتجريد المجموعات المسلحة الخارجة عن القانون من سلاحها وترك سلاح القوى السياسية الذي يحمل اسم سلاح المقاومة إلى المستوى السياسي لمعالجته. لكن الهجوم على مركز الشرطة في الشيخ رضوان وقبله حادث الانفجار الذي أودى بحياة عشرين مواطناً في احتفال حركة حماس في جباليا أعاد طرح ملف سلاح المقاومة بصورة جديدة على الأجندة السياسية الداخلية.
وقال النائب قدورة فارس: »القوى السياسية أيضاً يجب أن تعمل وفق القانون وأن تخضع للمساءلة وفق القانون«. وأضاف: لقد قُتل عشرون شخصاً في مهرجان لحركة حماس نتيجة الإهمال ولا أحد يسأل عن سبب ذلك وكأن موتهم كان قدراً محتوماً، معتبراً أن ما تقوم به حماس اليوم يشكل تعددية سلطات وليس تعددية سياسية.
وتقر مختلف الأطراف في غزة أن حل إشكالية سلاح حماس لن يتم سوى بطريقة الاتفاق السياسي. وقال النائب زياد أبو عمرو الوسيط الدائم بين حركة »فتح« والسلطة من جهة وحركة حماس من جهة ثانية: »استخدام سلاح المقاومة في غير موضعه يضر بشكل المقاومة ويرفع الشرعية عنها، وأعتقد أن هناك إدراكاً لذلك، لكن عندما تقع مشكلات تحدث احتكاكات ونحن نريد منع ذلك«.