أجرت »البيان« حواراً مع د. سعد بن طفلة العجمي، وزير الإعلام الكويتي السابق، على هامش مؤتمر الإعلام العربي والعالمي، وفيما يلي نص الحوار:

٭ تطرح نفسك من المدنيين وليس من الليبراليين هل هناك توجه في الكويت بهذا الشكل؟

ـــ كلمة مدني هي كلمة أشمل ولا تستثني ، بينما كلمة ليبرالي تستثني كل المحافظين المدنيين والقوميين وكل الناصريين وكل الشيوعيين وكل المستقلين.

يوجد تيار ديني تحت مسمى سنة وشيعة، فتحت مسمى سنة يوجد الإخوان السلفية، التكفير، الجهاد، والقاعدة. وتحت مسمى شيعة تجد: حزب الله والدعوة وولاية الفقيه الخ. ونحن نصنف من الذين يمارسون السياسة، في تيارين إما ديني، أو تيار مدني، وهذا يتماشى مع الدعوات الجديدة إلى المجتمع المدني. وتتجانسان لفظاً وكل من يؤمن بتعايش الناس واحترام الآخرين فهو مدني.

٭ هل هذا مخرج للأزمة التي يعيشها المجتمع الكويتي بتياراته المختلفة؟

ـــ إذا كان هناك أزمة فهي أزمة يعيشها الفكر العربي بشكل عام وليس بخصوصية كويتية. وأنا بصدد الكتابة حول صياغة الخطاب المدني، يتعين على جميع القوى السياسية المدنية التي تنشد بناء المجتمع المدني ان تصنف نفسها بأنها مدنية بغض النظر عن أيديولوجيتها.

وقبل ذلك كان الوضع إما أن تكون مؤدلجاً أو لا يكون لديك أي موقف سياسي، وهذا غير صحيح ومن ثم كنا نستثني كل الآخرين. ما لم تكن ماركسيا، هذا يعني إنك برجوازي، وما لم تكن قوم فأنت شعوبي... نريد أن نجمع الناس قدر الإمكان.

٭ هل تتوقع في الانتخابات المقبلة نجاح قائمة المدنيين؟

ـــ القوى السياسية مجتمعة (من السلفية إلى التحالف الديمقراطي) اتفقت على الإصلاح السياسي، وتقليص الدوائر الانتخابية. ففي التيار المدني نطرح برنامجاً شاملاً للإصلاح يتضمن تقليص الدوائر الانتخابية.

تقنين الأحزاب وإطلاق الحريات الصحافية، تداول السلطة، أي أن يكون رئيس الوزراء منتخباً من الأغلبية البرلمانية، وحق الناس في اللجوء إلى المملكة الدستورية.

مستقبل العراق

٭ ما هي رؤيتكم كمجتمع كويتي لما يجري في العراق، وما رؤيتكم المستقبلية لعلاقة الكويت مع العراق؟

ـــ ما يحكم العلاقة المستقبلية بين الكويت والعراق هو ستؤول إليه الأوضاع في العراق الآن لأنها تعتمد على المخاضات القائمة الآن. وإذا سألتني: هل أنت متشائم أو متفائل. فسأقول لك: حتى الآن أنا من المتشائمين. لدينا من أسباب التفاؤل ما يعادل أسباب التشاؤم.

في الأيام القليلة المقبلة. سوف تكون نقطة تحول تاريخية، هل سيصوت العراقيون للتيار المدني العراقي أم للتيار الديني؟

فإذا صوتوا للتيار الديني فإنه سيعني عدم تداول السلطة، وبالتالي الدخول في صراعات، لأنه لا يوجد في الفكر السياسي الديني منذ وفاة الرسول »صلى الله عليه وسلم« حتى يومنا هذا أي شيء اسمه تداول للسلطة.

فبعد وفاة الرسول »صلى الله عليه وسلم« جاء الخلفاء الراشدون الأربعة وحكموا 29 سنة وثلاثة من الأربعة قضوا باغتيالات سياسية، ثم أتت الخلافة بالسيف، وبعد انتهائها أتت الدبابات والانقلابات والمخابرات. ولا يوجد في تاريخنا السياسي تداول سلمي للسلطة..

وأعتقد أن ما يوجد وما يحدث في العراق اليوم هو شيء جديد بكل ما تحمل الكلمة من معنى. لأول مرة نشهد ثمانية ملايين عربي يتوجهون إلى الانتخابات ولأول مرة يتوجه شعب عربي للاستفتاء على الدستور المكتوب.ولأول مرة سيتجه العراقيون لانتخاب حكومة جديدة لمدة أربع سنوات مقبلة.

٭ هل لاحظت أي دعاية انتخابية في فضائيات عربية سوى الانتخابات العراقية؟

ــ اتمنى ان يأتي اليوم الذي نشاهد فيه جميع الدعايات للانتخابات على الفضائيات العربية، لأنها انتخابات حقيقية في العراق والسؤال الآن هو هل يمكن ان ينزلق العراق إلى فوضى الحرب الأهلية؟ هذا وارد أيضا، وكل الاحتمالات تقول إن هذا وارد وذاك وارد، لكن الرأي الأخير سيكون بيد العراقيين، واعتقد أن الأيام المقبلة ستعطينا مؤشرا عن وجهة العراقيين.

برأيي أتمنى ان يتجه العراقيون نحو التصويت لصالح التيار المدني لأن الانتخابات الأخيرة أظهرت أن أقل نسبة تصويت بعد المناطق التي سميت بالسنية كانت في المناطق الشيعية. وهذا يعني وجود شعور بخيبة الأمل في الحكومة الدينية التي جاءت إلى العراق بعد الانتخابات الماضية.

وأعتقد أن الزخم الطائفي الذي كان بارزاً في يناير الماضي بدأ يتلاشى خاصة في أوساط الشيعة.ويلاحظ أن نسبة الذين شاركوا في انتخابات النجف وكربلاء كانت 54% كل المؤشرات تدفع إلى مزيد من التفاؤل.المهم أن السنة أيضا شاركوا في الاستفتاء وسيشاركون في الانتخابات المقبلة ولا عودة لمقاطعة الانتخابات.

وعليه سوف تحدد العلاقات المستقبلية بين الكويت والعراق أي ان العراق المستقر الديمقراطي الموحد سوف يكون عراقاً آمناً بالنسبة للكويت وسوف يكون عراقاً يحترم المعاهدات الدولية والقانون الدولي. بينما العراق الفوضوي لن تتأثر منه الكويت فقط إنما ستتطاير شراراته على المنطقة برمتها.

٭ أصدرت المرجعية الدينية دعوة لانتخاب التيارات الدينية. فإذا كان التوجه قوياً نحو ذلك في الجنوب، فيمكن العودة إلى المشكلة ثانية.

ــ هذه الدعوة جاءت في الاستفتاء الأخير بضرورة الاستفتاء، وأحجم الكثيرون من مناطق الجنوب عن الاستفتاء. أكبر الرابحين في انتخابات يناير كان »علاوي« في القائمة العراقية.اعتقد أن التيار المدني سوف يصوت له كثير من السنة، والشيعة، والمسيحيين والأكراد الذين سيشهدون استقرار العراق.

حراك سياسي

٭ هل يصح التأسيس على مفهوم بإطلاق حراك سياسي على الساحة العربية، يعيد التوازن لها؟

ــ مربط الفرس في هذه المسألة هو أن الأنظمة العربية التي تحارب التشدد الديني تحاربه بنفس سلاحه، وهنا يكمن الخطر، وهنا يفشل هؤلاء. لأنه ليس هناك أي نظام قال إننا ضد الدولة الدينية ونحن البديل المدني. كلهم يزايدون بالبضاعة نفسها. وهذه هي المشكلة حيث يقولون إن هؤلاء منحرفون. هؤلاء قرأوا الإسلام قراءة خاطئة، ونحن قرأنا بشكل صحيح.

وهنا دخلوا بنفس الساحة ونفس الخطاب الديني للجماعات المشددة. وعليه اعتقد أنه لو أعلنت الأنظمة العربية أن لا وجود لدولة الخلافة ولا وجود لدولة ولاية الفقيه. وإن البدل هو البديل المدني، لكانت استقطبت الجماهير. لكنها تلعب بنفس ساحة القوى المتشددة، وتزايد عليها بنفس بصناعتها، وهنا الأزمة في عدم هزيمتها لقوى التشدد.

٭ هل البديل هو الحراك السياسي. والتيار المدني، والقاعدة العلمانية وهل تعتقد بوجود قوى مطلقة تحملها؟

ـــ يجب أن نعترف بحقيقة مرة وهي فيها نوع من اللوم على القوى المدنية بشكل عام، وهي أن القوى الحقيقية تريد أن تتمسك بسلطتها، والقوى الدينية استغلت غياب كل القوى التقدمية، التي ازالتها الأنظمة من الوجود. ومن ناحية أخرى، نظراً لأن الأنظمة لا تزال تلعب في ساحة قوى التشدد،

ولن تعلن طلاقاً بأننا مع الخطاب الديني والدعوات للدولة الإسلامية، فإنني اعتقد بوجوب إعلان طلاق بائن من الحديث عن دولة إسلامية، وأن نقول إن هذه الدول العربية مجتمعة هي دول مسلمة، ولا عيب في ذلك، بل ضروري أن تبقى دولاً مسلمة بثقافتها وهنا التيار المدني يطالب بالحفاظ على الثقافة الإسلامية والمدافع الأول عنها.

وحين يطالبون جميعاً بالدولة الإسلامية ماذا يعني ذلك؟ إن ذلك يعني إزالة كل الأنظمة العربية القائمة حالياً وإقامة دولة إسلامية؟

أين نقيمها في الفضاء أم بعد هدم ما هو قائم؟ وما لم تعلن هذه الأنظمة أنها دول مسلمة وليست دولاً إسلامية بالمفهوم السياسي لها. اعتقد أنها تدور في حلقة مفرغة، لذلك لم تستطع حتى الآن القضاء على هذا الطرح المتشدد ولا أن تجابهه.

وأنا أوجه النقد إلى التيار المدني لأنه لم يستطع تحديد خطاب واضح المعالم يقترب من الخطاب الرسمي، وأعتقد أنه يجب أن يعلن أنه لا يريد الدولة الدينية بأي شكل من الأشكال.

أما أن نكون دولة مدنية ومتدينة، وهذا أمر مطلوب فالقوى اللادينية هي أسيرة الماضي. يريدون تحقيق الديمقراطية والعدالة والاشتراكية وتحرير فلسطين في الوقت نفسه والوحدة العربية أيضاً.ولا تنشط هذه القوى في تشكيل جمعية مدنية للحفاظ على النظافة وعلى صحة الطفل.. وهذا يعني أننا أسرى آيديولوجيات.

٭ ما هو واقع الإعلام العربي في ظل المتغيرات الحالية؟

ـــ ليس هناك مؤسسة إعلامية عربية مستقلة، الاستقلالية نسبية، أقصد أنها مدعومة من مؤسسات مجتمع مدني. وأنها محمية بقوانين تضمن لها الحد الأدنى من العيش دون أن تكون أسيرة هذا المعلن أو ذاك أو هذا النظام أو ذاك هذا لا يمكن. ولا ننكر وجود درجة عالية من المهنية الآن، في المنطقة ودرجة عالية من هامش الحريات.

والفضائيات بدأت تتنافس بالحرية الإعلامية ولا ننكر وجود خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها ما لم يكن هناك مؤسسات إعلامية مستقلة تدعمها منظمات مجتمع مدني ويدعمها قانون يضمن لها حداً أدنى من الدعم دون اللجوء إلى أن تكون تحت رحمة ذاك المعلن أو ذاك النظام.

٭ القانون الجديد للصحافة في الكويت أفسح المجال لإصدار صحف جديدة ما رأيك فيه؟

ـــ العائق كان بإصدار صحيفة جديدة هو إذا تقدمت بطلب الإصدار ورفض الطلب تتظلم إلى مجلس الوزراء، أي أن خصمك هو الحكم في الوقت نفسه الآن تم تغيير ذلك وأصبح بإمكانك أن تتظلم إلى القضاء، والقضاء الكويتي معروف بنزاهته.

ويمكن في ظل القانون الجديد أن تصدر صحف جديدة. ونحن في الكويت نقول دائماً لا توجد حرية صحافة في الكويت، إنما توجد حرية رأي وإحدى قنواتها الصحافة لكن حرية الصحافة بإصدار صحف جديدة ليست موجودة.

٭ ما هو انطباعك عن المؤتمر؟

ـــ أنا مشارك مستمر بهذه المؤتمرات وأعتقد أنه يتطور من حسن إلى أحسن لكنه ما زال قاصراً عن الطموح وما زال فيه استعراض أكثر من عرض، لكنه بدأ يركز على الجوهر وليس على الشكل.

٭ ماذا عن مشاركتك؟

ـــ لقد طرحت موضوع العدالة والموضوعية في الإعلام، فإذا كان الإعلام حراً فهناك فارق بين العدالة والموضوعية فمعنى أن تكون موضوعياً هو أن يكون لديك وجهة نظر لكن أن تكون عادلاً فهذه صفة إلهية مستحيلة على البشر والسؤال هو إلى أي مدى يمكن التوفيق بين العدالة والموضوعية؟ الإجابة عن هذا السؤال هي ما ينشده أصحاب العلم والمعرفة دائماً.