أكد ستيفان أوست, رئيس تحرير مجلة » دير شبيغل« الألمانية أن الالتزام بالمعايير الصحافية المعترف بها وهو الطريق الأمثل لتقديم مادة صحافية تتمتع بمصداقية القراء, مشيرا إلى أن شيوع الديمقراطية في المنطقة العربية هو السبيل الوحيد أمام الإعلام العربي كي يجد له موطئا على الساحة العالمية.
وفي حوار له مع »البيان« على هامش مؤتمر الإعلام العربي والعالمي الذي عقد مؤخرا في دبي, قال أوست إن معظم السياسيين لا يريدون إلا سماع ما يروق لهم ويخدم مصالحهم, مشيرا إلى أن هلموت كول, المستشار الألماني الأسبق, كان يرفض دائما الحديث مع المجلة طوال فترة توليه الحكم في ألمانيا. وفيما يلي نص الحوار:
* ماذا تعني لك أول مشاركة في منتدى إعلامي يقام في المنطقة العربية؟
ـــ في واقع الأمر لقد تمت دعوتي من قبل المنظمة المسؤولة عن هذا الحدث الكبير من خلال مندوبيها في مدينة إخن الألمانية. ولم أجد مبررا في أن أفكر فيما كنت سأحضر أم لا, لاسيما أنني أسمع عن منطقتكم الكثير. فالجميع يتحدث عن شواطئها الجميلة ومناخها المتميز، والأهم من ذلك كله عن رجالاتها ومفكريها الذين نكن لهم كل تقدير في ألمانيا. من المهم من وجهة نظري أن أحضر مثل تلك المحافل الإعلامية لاسيما أنني علمت أن المؤتمر يجمع بين شخصيات ذات ميول وأفكار متباينة من الشرق الأوسط وأميركا وأوروبا. فنحن في الصحيفة مهتمون برصد هذا الزخم الفكري.
* ما مدى تأثر الصحافة باتجاهات السياسة الدولية وما هي العلاقة بين السياسي والصحافي؟
ـــ لا ينبغي أن تتدخل السياسة في العمل الصحافي تحت أي مسمى. فدور السياسي في مجال الصحافة يجب أن يتمثل في توفير المناخ المناسب للصحافيين كي يعملوا بموضوعية وشفافية, وهو ما نطلق عليه حرية الصحافة. وإذا لم يكن الساسة راغبين في لعب مثل هذا الدور فإن عليهم أن يعيشوا في كوكب آخر غير الذي نعيش فيه! ولكن هذا لا يحدث في أغلب الأحوال. فالساسة يأتون دائما للشكوى مما نكتبه ويدعون أننا نكتب أشياءً غير حقيقية ويطالبوننا بالاعتذار عما قلناه للقراء.
المشكلة التي تحدث دائما هي أنك عندما تكتب عن السياسة فإنه عليك أن تتعقب السياسي كي تنقل الحقيقة, الأمر الذي، في واقع الأمر، يغضب الساسة بشكل كبير ومن ثم فإننا نضطر إلى الاعتماد على مصادرنا الخاصة والموثوق بها كي نأتي بالحقيقة أمام القارئ وندعه كي يحكم على القضية المثارة, كلٌُ من وجهة نظره, وهو الأمر الذي، بطبيعة الحال، لا يروق للسياسي الذي يريد منا كتابة ما يريده هو وليس الحقيقة.
وغالبا ما يتعرض الصحافي إلى أخطار كبيرة من أجل الوصول إلى الحقيقة. ومن أجل التغلب على تلك المشكلة فإنه يجب أن يكون لديك العلاقات الكافية التي تمكنك من سرد الحقيقة. ونحن في »دير شبيغل« لا نعاني أي مشكلة في هذا الصدد وذلك في ضوء المكانة الكبيرة التي تحظى بها الصحيفة في العالم وتبيع بفضلها أكثر من مليون نسخة أسبوعيا, وهو الأمر الذي يجعل الجميع يجري وراءنا من أجل التحدث معنا وليس العكس.
ولكن هذا لا ينطبق على كثير من السياسيين. فهلموت كول, المستشار الألماني الأسبق, رفض أن يتحدث إلينا طوال فترة حكمه, الأمر الذي لم يكن يفيدنا بالطبع ولكن في الوقت نفسه لم يفده هو أيضا. ونحن الآن الذين لا يعنينا الحديث معه. والنقطة المهمة في هذا الشأن هي أن هناك دورا للصحافي ودورا للسياسي. فالصحافي ينبغي له ألا يتوقف عن البحث عن الحقيقة ويتحدث إلى الساسة بحثا عن الحقيقة. فأنا والسياسي يجب أن نتحدث سويا ونتعايش معا ولكن من دون أن يتأثر أي منا بالآخر بشكل سلبي.
* ماهو الخط الفاصل بين الحرية والالتزام بالمعايير الأخلاقية في العمل الصحافي؟
ــــ الأمر في منتهى البساطة: فأنت عندما تلتزم بالصدق ينتهي الأمر. فالصدق أهم وأشمل من الواقع. ولذا فإنه عليك أن تكون شديد القرب من الواقع حتى تستطيع أن تقول الصدق وتُثبت أن ما تقوله هو عين الحقيقة وأنك لا تهدف منه إلى التشهير بأحد. وهذا هو ما نقوم به في »دير شبيغل«. فنحن نعتمد على الحقائق وليس على انطباعات وتخمينات الصحافي وميوله الذاتية.
وليس هذا فقط , بل يمكن أن يقوم الصحافي بكتابة موضوع ما تكون تفاصيله حقيقية ولكن الإطار العام للقضية التي يناقشها ليس حقيقيا وبالتالي فإن كل ما يقوله من تفاصيل هو حقيقة في ذاتها تتحول إلى معلومات غير صادقة.
وهنا يكمن دور الصحافي في تخليص كل ما هو حقيقي مما قد يشوبه من أشياء تلغي مصداقيته وأن يسعى إلى سبر غور الموضوع الذي يتناوله وأن يبتعد عن المبالغات وينحيها جانباً ويستبعد كل ما يدور حوله شك ويقدر قيمة ما يكتبه, ومن ثم يتحقق الميزان الأخلاقي لدى الصحافي الذي يلزمه من أجل إخراج مادة صحافية قيمة.
* بوصفك رئيس تحرير واحدة من أوسع الصحف والمجلات الأوروبية انتشارا, كيف ترى أوضاع الصحافة في الوطن العربي؟
ــــ في رأيي ان العائق الرئيسي الذي يحول دون تقديم مادة صحافية قيمة متميزة يمكن الركون إليها هو غياب عنصر الديمقراطية في المنطقة. فلا يمكن للصحافة أن تقوم لها قائمة من دون وجود مناخ ديمقراطي يسمح من خلاله السياسي للصحافي بتقديم هذا النوع من المواد الصحافية المحترمة إذا جاز لنا الوصف بذلك.
ومن وجهة نظري هذا هو السبيل الوحيد أمام الصحافة العربية كي تتقدم، فالديمقراطية والحرية يمثلان كلمة السر. وهنا ينبغي الإشارة إلى نقطة مهمة للغاية وهي أن مبادئ الإدراك السليم تؤكد أنه حتى الدول الاستبدادية ليس من مصلحتها تكميم الأفواه؛ فمن مصلحة تلك الدول أن تدع الصحافيين يؤدون عملهم بشكل حر وذلك حتى لا تسرع من انهيار أركانها.
فالصحافة هي التي تتعرف على المشكلة ومن ثم يأتي العلاج. ولكن غض الطرف عن الحقيقة يتسبب في سبات عميق يتعذر بعده الإصلاح. وما حدث في روسيا خير مثال على ذلك.
* الحديث حتماً يجرنا إلى قضية الديمقراطية في الشرق الأوسط في ضوء التطورات الأخيرة على الساحة العالمية؟
ـــ لا ريب أن بلدان المنطقة يتعين عليها أن »تخاطر«, إذا جاز لنا القول, بتقديم بعض الديمقراطية لشعوبها ولا مانع أن يتم هذا بشكل تدريجي. ولتكن البداية مع شعوب تلك البلدان التي يجب تدريبها على التصرف بشكل ديمقراطي.
فأنت عندما تعود إلى تاريخ أوروبا تجد أن أولى وأهم الخطوات التي اتخذت نحو الديمقراطية هي الفصل بين السياسة والكنيسة. فهناك حتمية في أن يظل هناك هذا الفاصل بين قوانين الدولة وتشريعاتها من ناحية وبين الدين بجميع أركانه من ناحية أخرى.
* هل ترى أن أحداث العنف التي اجتاحت العالم في السنوات الأخيرة أثرت في التغطية الصحافية التي تقدمها وسائل الإعلام الغربية؟
ــــ الأمر هنا ذو جانبين. أما الأول فإن هناك بعض الصحف تملكها الهلع مما يحدث وقررت عدم المجازفة بإرسال صحافييها إلى البؤر الساخنة في العالم وهذا بالطبع له أثره في الرسالة التي تقدمها تلك الصحف. أما الشق الثاني من الأمر فيتعلق بالمضمون الصحافي. وأنا هنا لا يمكنني الحديث إلا عن صحيفتي.
فنحن لدينا خطنا التحريري الذي لا نحيد عنه قيد أنملة. فبوسعي التأكيد على أن تغطيتنا الصحافية لأحداث العنف التي اجتاحت العالم في السنوات الأخيرة لم تختلف عن تغطيتنا لأحداث العنف التي اجتاحت ألمانيا في السبعينات من القرن الماضي.
نحن ندين الإرهاب بجميع أشكاله مثلنا مثل الجميع ولكن هذا لا يمنعنا من انتقاد ما يفعله الأميركيون في سجن أبو غريب وفي غوانتانامو على سبيل المثال. كما أننا لا نعرض لتلك الحوادث الإرهابية بمعزل عن جذورها وأسبابها ونضع كل هذا أمام القارئ.
٭ ولكن ماذا عن الدول الأخرى؟
ـــــ نحن نتفهم الشعور الأميركي في أعقاب هجمات سبتمبر التي اعتبرها الأميركان حرباً عالمية ضدهم. ولكن هذا لا يمكن أن يقنعني بردود الأفعال الجنونية في بعض الأحيان التي اتخذتها أميركا في أعقاب تلك الهجمات. فأنا لم أكن مقتنعاً بأي شكل من الأشكال بحرب العراق. وإذا تم سؤالي في هذا الشأن فإنني أقول بكل بساطة أنني مقتنع كل الاقتناع أن صدام حسين كان من أكثر حكام العالم استبداداً ووحشية وأنه كان ينبغي اسقاطه، ولكنني كنت في الوقت نفسه مقتنعاً بأن الوضع لن يتحسن بعد رحيله.
*كيف ترى القرار الذي اتخذته الصحافة البريطانية بمنع الحديث عن الوثيقة التي تحدثت عن نية الرئيس الأميركي قصف قناة الجزيرة القطرية؟
- لا يجرؤ أحد أن يمنعنا من نشر مثل تلك الوثائق.
لمحة عن ستيفان أوست
٭ ستيفان أوست هو رئيس تحرير مجلة »دير شبيغل« (التي تعني بالألمانية »المرآة«)، وهي أهمّ مجلة أسبوعية تصدر في ألمانيا وتُوزّع على حوالي مليون شخص أسبوعيا.
٭ بعد تحصيله لدراساته العليا، شغل منصب محرر في مجلة »كونكريت« من العام 1966 إلى 1969. وفي العام 1970، انضمّ إلى قناة ألمانيا الشمالية الإذاعية والتلفزيونية حيث عمل من العام 1972 حتى العام 1986 في الصحيفة التلفزيونية السياسية »بانوراما«.
٭ في مايو 1988، أصبح أوست رئيس تحرير »قناة شبيغل التلفزيونية« ثم تخلّى عن تلك المهام عندما عُين في منصب رئيس تحرير مجلة »دير شبيغل« في العام 1994. ومنذ العام 1995، عمل أيضا كعضو منتدب في »قناة شبيغل التلفزيونية «.
٭ أوست هو مؤلف العديد من الأفلام والبرامج الوثائقية التلفزيونية، كما نشر عدداً من الكتب التي تتمحور بالدرجة الأولى حول القضايا السياسية.
حوار: حاتم حسين