يشهد الجنوب الروسي ما يصفه المراقبون بحرب غير معلنة بين الشرطة الروسية ومسلمي الجنوب، فيما يشعل الفساد الإداري وقسوة تعامل الشرطة نيران الغضب بين المسلمين. وعلى سبيل المثال تعرض تيمور ماماييف مرارا للضرب على أيدي قوات الشرطة وتقول زوجته إنهم أهانوا عقيدته وتحرشوا بأطفاله وان مناشداته المتكررة للسلطات لمساعدته لم تلق استجابة.
وفي منتصف أكتوبر الماضي نفد صبر ماماييف وشارك ضمن مجموعة مؤلفة من 150 شابا مسلما في الهجوم على مبان حكومية في بلدة نالتشيك الروسية الجنوبية. وتقول زوجته فاطمة (32 عاماً) «إنه كان احتجاجاً. لم يكونوا يسعون إلى نيل الاستقلال. لا يمكن ان يحقق 150 شخصاً أي شيء. ضحوا بأنفسهم في محاولة لتغيير الأمور». وتضيف انها لم تشاهد زوجها منذ يوم الهجوم.
ويعتبر المسؤولون الروس زوجها إرهابيا حاول الإطاحة بنظام حكم علماني أما بالنسبة لذويه فانه رجل يائس يحاول ان يعرض وجهة نظره بالأسلوب الوحيد الذي يعرفه. وتوفي نحو 24 من ضباط الشرطة و93 متمرداً في المصادمات في نالتشيك في منطقة كاباردينو ـ بالكاريا.
ويرى المسؤولون الروس أن الهجوم دليل آخر على تفشي الإرهاب الدولي في الجنوب الفقير ووصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سحق التمرد بأنه انتصار. وقال انفصاليون من الشيشان القريبة إنهم شنوا الغارة بمساعدة متمردين محليين مناهضين للكرملين. ويرى سكان نالتشيك أن الانتفاضة جزء مما يحدث في شمال القوفاز المسلم من داغستان في الشرق إلى كاباردينو ـ بالكاريا في الغرب.
ويقولون إن شبانا يضيقون بتحرش الشرطة ويحبطهم فساد المسؤولين يحذون حذو مسلمين في الشيشان في الجهاد ليس من أجل الاستقلال ولكن من أجل المساواة.
وتقول لاريسا دوروجوفا وهي محامية تصف نفسها إنها تمثل أصحاب العقيدة لأن الشرطة أعلنت الحرب على المسلمين. فقد هؤلاء الرجال الأمل في تحقيق أي شيء سلميا لذا حملوا السلاح حتى يسمعهم الناس. وتضيف انها ليست حرباً بين أديان أو دول بل بين الشرطة وأصحاب العقيدة.
والإسلام واحد من الديانات الأربع الرسمية في روسيا وينص الدستور على حق حوالي20 مليون مسلم في ممارسة عباداتهم.
وأكد مسؤولون مراراً أن الحرب في الشيشان المستمرة منذ 11 عاماً وأسفرت عن سقوط عشرات الآلاف من الضحايا والعمليات في المناطق المجاورة مثل كاباردينو ـ بالكاريا لا تستهدف المسلمين بل الإرهابيين. ويقول محللون ان قمع المسلمين والتحرش بهم وإغلاق المساجد أشعل شرارة التمرد. ويوجد في نالتشيك مسجد رسمي واحد بعد إغلاق المساجد الأخرى.
وقال الكسي مالاشينكو الباحث في مركز كارنيجي موسكو ان المشكلة الأمنية نتيجة السياسات الغبية للحكومة المحلية. ويضيف أنه لا يعتقد لها صلة بالإرهاب الدولي. ويفسر مسلمو نالتشيك سلوك الشرطة وفق عدة نظريات ويقولون إنهم مستهدفون لأنهم لا يدفعون رشى.
وأخذ الجيش والمسؤولون الروس موقفاً أكثر صرامة تجاه المسلمين نتيجة تأثير حرب الشيشان والهجمات التي لها صلة بها مثل حصار مدرسة بيسلان.
وقالت المديرة التنفيدية لجماعة ميموريال لحقوق الإنسان تاتيانا كاساتكينا من الواضح أن هناك قمع جماعي (للمسلمين) في جميع أنحاء روسيا وهو أمر مخيف. وأضافت: «لا تحقق قوة السلاح شيئا والشرطة لا تهاجم العصابات فحسب بل أناساً عاديين وهذا يساعد من نطلق عليهم إرهابيون».
ويزعم قائد الانفصاليين في الشيشان عبد الحليم سعيدولاييف أن قادته ساهموا في تنظيم هجوم نالتشيك ويحرص المتمردون الشيشان على دعم كل من يمكنه أن يمارس ضغطاً على القوات الروسية وقدموا مساعدات لمسلحين في أماكن أخرى. وقال سعيدولاييف عقب هجوم نالتشيك في 13 أكتوبر الماضي: تأتي إلينا الآن القوى المعارضة لروسيا التي لا تجد وسيلة لمحاربة الاستبداد وهذا يساعدنا كثيراً.
وقال بوتين عقب الهجوم على المدينة ان أي شخص يحمل السلاح ويهدد حياة وصحة المواطنين ووحدة الدولة الروسية سيجري التعامل معه بنفس الأسلوب كما حدث في نالتشيك. ويقول نشطاء إن أساليب بوتين تدفع المزيد من المتمردين لحمل السلاح وتزيد تفاقم المشكلة التي تهدف لحلها.
ويقول أقارب القتلى في نالتشيك إن أكثر ما أغضبهم رفض الدولة تسليمهم الجثث لدفنها. وردت السلطات بان الجثث ستدفن في مقابر غير معروفة بما ان الضحايا يشتبه في ضلوعهم في أعمال إرهابية. ويقول أقارب القتلى إن فشل موسكو في كسب تأييد الشباب المسلم المتدين ينذر بحدوث مشاكل في المستقبل.
