العنف وليد غياب العدالة والحرية وتكافؤ الفرص

الجابري: الحديث عن إعلام عربي واهم وغير حقيقي

يمثل المفكر المغربي الكبير محمد عابد الجابري ظاهرة من ظواهر الفكر العربي في القرن العشرين. وقد ساهمت كتبه وأبحاثه وأقواله في مجالات الفكر والثقافة في فتح المجال واسعاً أمام الكثير من السجالات والاختلافات التي لم تتوقف حتى اليوم،

والجابري الذي حل ضيفاً على مؤتمر الإعلام العربي والعالمي في دبي كان شحيحاً في تصريحاته لوسائل الإعلام لكنه خص »البيان« بهذه الوقفة التي أشار في مستهلها إلى أن الفائدة الرئيسية من مثل هذه الملتقيات الكبيرة هي اللقاءات التي تتم بين العرب أنفسهم بحيث تمثل فرصة لتقاطع التجارب الإعلامية والفكرية العربية من أرجاء الوطن العربي.

أما النتائج الشفهية والمكتوبة التي تخرج عن هذا الملتقى فستظل مرهونة بجملة ظروفها الموضوعية. وتظل القيمة الأسمى هي تلاقي الآراء والأفكار المتنوعة والمخالفة وتساهم بخلق نوع من الألفة مع هذه الآراء المخالفة والمختلفة. وهذه الميزة هي أحسن ما سيبقى.

وأكد الجابري على أنه وفي هذه المرحلة تحديداً لا يمكن لأحد الحديث عن إعلام عربي يحمل هموم الأمة وقضاياها ويخوض معاركها المصيرية لأن في الأمر وهما بل هناك إعلام قطري. وسياسات إعلامية قطرية. وهذه السياسات قد تتشارك في بعض الهموم والقضايا، وخاصة في تلك الفترة التي كانت فيها بعض الدول العربية خاضعة للاستعمار الغربي، وقتها كان ثمة اتفاق على بعض الهموم القومية والعروبية.

أما اليوم فلا توجد أية ملامح لهذا التعاون أو الإجماع على قضية واحدة، لا ضد الغرب بوصفه الآخر أو العدو، ولا حتى ضد إسرائيل بكل ما تعنيه. إن الحديث عن العرب أو الحديث عن مشروع عروبي على مستوى الإعلام أو على المستويات الأخرى هو حلم، وبأحسن حالاته هو عملية استرجاع من الذاكرة والماضي.

هذا الاسترجاع وزنه في الواقع يعادل المشروع تجاه المستقبل. إن الأمر برمته يشبه استعادة صورة ممجدة، بذات الطريقة التي نحاول بها صناعة صورة ممجدة للمستقبل. ومع ذلك فإن هذا النوع من تمجيد الماضي جزء من الواقع العربي.

وأضاف المفكر الجابري: إننا أمام خيارين جوهريين، الأول متعلق بفكرة الدولة العربية الإسلامية الواحدة المتموضعة على جغرافية استراتيجية واحدة وهو أمر مستحيل لأن ذلك يعني أن العالم بمجمله عليه أن يتغير أو أن يناضل العرب في طريق تحسين أوضاعهم وآفاقهم ليثبتوا أن منطقتهم ووحدتهم تستحق أن تكون طرفاً من الأطراف المكونة للعالم وهو أمر متاح وممكن لأن فكرة تحولنا إلى قوة عربية وإسلامية واحدة تتطلب العودة إلى العصر العباسي.

وعن رؤيته لدور الخطاب الإعلامي والفكري الراهن في ظل المتغيرات والتحولات التي تعيشها المنطقة العربية، أشار الجابري إلى أن الحديث عن دور إعلامي وفكري بمعناه الشمولي هو حديث غير دقيق لأننا هنا لا بد أن نتحدث عن مجموعة أفراد انفصلوا عن ارتباطاتهم بالأنظمة والحكومات والقوى المسيطرة ليعملوا على التشريع للمستقبل.

وهي عملية إبداعية فردية، لكنها في نهاية المطاف تلتقي على مستوى الأهداف العامة والخطوط المشتركة. وهنا تكمن فكرة الريادة التي مثلها جيلي في فترة ما إلا أن المفكرين والمثقفين في العصر الراهن وفي ظل غياب هذا المشروع المستقبلي الواحد ساهموا بشكل أو بآخر في بروز المشروع الإسلامي والذي ليس لنا رفضه بل التعامل مع اشكاليته المتركزة في أنه مشروع استعادي للماضي، وهي ليست قيمة سلبية بحد ذاتها، بل لابد من التأكيد على أن عملية التجديد والتطوير تعتبر حالة عربية معطلة في الوقت والظرف الراهنين.

وحول ما إذا كان تراجع أو غياب المشروع التجديدي العربي، وضعف قوى اليسار وغيرها من القوى الأخرى ساهما في تنامي المد الإسلامي، أكد الجابري على أن هذا الأمر ليس دقيقاً لأن صراع القوى يتسم دائماً وأبداً بالانحسار والازدهار، والقوى السياسية والفكرية تتبادل الحضور،

أما السبب الجوهري في تنامي ظاهرة الإسلام العنيف فهو الوضع الاجتماعي المتردي، وغياب الديمقراطية والحرية والعدالة والفرص العادلة، وعدم الاعتراف بالآخر والأقليات، ومحاولة تجاهل أن الإسلام صار قوة جماهيرية، ولابد أن تؤدي عمليات حجبها وعدم تمكينها من ممارسة دورها الى ولادة ردة الفعل القوية والعنيفة، ولذلك لابد من افساح المجال لها لتقديم مشروعها،

وطرق تعاملها مع القضايا العربية العديدة ومن الطبيعي في حال فشلها أن تنهض قوى جديدة لتطالب بحقها في الظهور وتقديم مشروعها، إنها في نهاية المطاف عملية تداول للسلطة، وأنا رغم أني يساري إلا أني كنت من أول المطالبين والداعين لمشروع كبير أو لكتلة سياسية تنضوي فيها جميع القوى، خاصة ان كنا نحلم بمستقبل مختلف عن الواقع الذي نحن فيه.

وأكد الجابري أن الكلام الذي يعتبر أن الغرب لن يقبل بتشكيل قوة إسلامية في المنطقة خاطىء وغير دقيق، لأن القوى الغربية معنية في نهاية المطاف بمصالحها وستتعامل مع أية قوة تحقق لها هذه المصالح وحتى الإسلاميين عليهم التقاطع مع هذه المصالح وعدم تجاهلها في حال أرادوا استمرار مشروعهم ونجاحه.

وهذه المصالح تتركز في أغلبها بالاقتصاد الذي ليس له تفرعات، الاقتصاد الذي يحمل مفهوماً واحداً، ولا وجود لاقتصاد إسلامي أو مسيحي، يهودي، أو بوذي، والمشكلة اليوم ان العالم العربي عاجز لا هو قادر على استيعاب المتغيرات التي تحدث في عمقه ولا استيعاب التحولات العالمية.

وعن رهانات المستقبل في المنطقة العربية، أكد الجابري على أن الرهان الأساسي هو رهان ثقافي لأن هذه الثقافة ليس لها ان تكون قطرية، ولم تنجح الكثير من محاولات جعلها على هذا النحو، الإعلام أساسي وسلاح خطير، لكن ليس لنا أن نعول عليه في قول الحقيقة، التي لن تستطيع جهة إعلامية مهما كانت قولها، لأن الحقيقة تورية، كما قال لينين »وحدها الثقافة لابد ان تكون شريكاً أساسياً وموجهاً في أي عملية للتطور المستقبلي«.

حازم سليمان

طباعة Email
تعليقات

تعليقات