لا يختلف اثنان على أن التكريم والتقدير للفكر والإبداع الإنساني يساعد عملية التنمية البشرية من أجل الارتقاء بالفكر والمعرفة. خاصة إذا كان التكريم مبنياً على انجازات وأعمال ترتقي بالأمة.
ولكن الملاحظ ان التكريم في العالم يتوجه بنسبة 90% إلى الرجل المبدع والفكر الذكوري في حين تأخذ المرأة المفكرة جزءاً ضئيلاً وهذا السلوك يؤثر بشكل سلبي على صورة المرأة العربية المفكرة
وبالتأكيد يخضع لعدة اعتبارات اهمها سيطرة العقل الذكوري على المؤسسات الخاصة بصنع القرار وكذلك ازمة الثقة في فكر المرأة.. من خلال هذا التحقيق حاولنا تجميع أراء من مختلف فئات المجتمع العربي المثقف من أجل الوصول إلى السبب الرئيسي لغياب المرأة العربية المكرمة وهل لدينا ندرة في هذه النوعية من النساء؟
ترى ماجدة أبوفاضل، مدير معهد الصحافيين المحترفين في الجامعة العربية الأميركية أن عقلية الرجل العربي ما زالت متحجِّرة وما زالت تتعامل مع المرأة ـــ وتحديداً التي تملك فكراً ـــ بحذر وتخوُّف من فقدان امتيازات الرجل ومنحها للمرأة، وليس من السهل أن يتقبل الرجل العربي فكرة المساواة بين فكر المرأة والرجل، وهذا دليل على وجود مركَّب نقص عند الرجل العربي.
وتضيف: »للأسف، النساء العربيات غير موجودات في مناصب مهمة، لذلك يجب أن تُمنح فرصة خاصة إذا كان لديها المؤهل لتصبح في مركز رئيسة مجلس إدارة وتعتلي مناصب مهمة داخل المؤسسة، لكن قبل ذلك يجب أن تخضع لتدريب عالي المستوى حتى تتمكن من السيطرة على آلية العمل وتنفيذ المهام المكلفة بها«.
وفي المقابل، ترى سناء الجك، إعلامية في إحدى المؤسسات الإعلامية، أن السنوات الأخيرة شهدت حضوراً نوعياً وكثيفاً للمرأة العربية المفكرة وفي مختلف المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وحتى العلمية وكانت مشاركتها موازية للرجل، واستطاعت أن تدخل نقاشات وتتطرق لمواضيع حساسة وهذا بحد ذاته تكريم،
لأن الجوائز في نظرها أمر بروتوكولي وشكلي أما التكريم الحقيقي فيكمن في منح المرأة المفكرة فرصة الوجود والمشاركة الإيجابية لأن المرأة المنتجة داخل المؤسسة تضطر في كثير من الأحيان إلى مضاعفة جهدها، من أجل التميز والتفوق ولكي تحافظ على عملها.
وتضيف الجك قائلة: »بصراحة نحتاج في الوطن العربي إلى امرأة مبادرة ولا تنتظر من يفتح لها الباب، بل عليها أن تقتحم كل الأبواب المغلقة، ولا تستسلم لأنها في النهاية كيان يمثل 50% من المقدرات الفكرية والاجتماعية للأمة«.
أما د. حصة لوتاه من جامعة الإمارات فترى أن سبب تغيُّب المرأة المفكرة في الجوائز العربية والتكريمات وحتى الجوائز العالمية، هو مسألة حضارية وليس وليد اليوم، لذلك على المؤسسات التي تُعنى بالفكر والثقافة البحث عن الأسماء والرموز التي أسهمت في تطوير الأمة وعدم انتظار الترشيح الذي غالباً ما يأتي من المؤسسات،
إضافة إلى بناء الثقة التي يجب أن تنطلق من رصيد إرثي وحضاري بالمعنى الفكري وليس المادي. وللأسف فإن الكثير من المتصدين لمثل هذه الأمور، يجهلون الرصيد الحضاري الحقيقي للأمة. والدليل أن مؤتمر الإعلام العربي والعالمي المنعقد هذه السنة في دبي كان يفتقر لمشاركة الحضور الأكاديمي بشكل واضح، وهذا من شأنه التقليل من أهمية النقاش.
وليس بعيداً عن الطرح السابق، يؤكد د. عبدالخالق عبدالقارد أن الحضور النسائي الفكري في أوروبا وأميركا، وطبعاً في الوطن العربي متساوٍ، لذلك غياب المرأة العربية ليس استثناء، حيث نجد أن أشهر الجوائز العالمية لم تعن باهتمام المرأة في الكثير من المجالات وكأن تكريم الرجل أصبح عرفاً مسلماً به وفي الكثير من المجالات
لكن تبقى المسألة تحتاج إلى توصيف أكثر للحالة ومعرفة الأسباب الحقيقية وراء ندرة الأسماء النسائية المفكرة رغم ان المرأة نبغت في الكثير من التخصصات، ويضيف د. عبدالخالق: »لذلك اعتبر المسألة حالة حضارية يجب تعريفها بعمق والوقوف عند أدق المسببات، ولا أعتقد ان السبب يعود لكون المؤسسة هي التي تقوم بالترشيح
والدليل أن تجربة جائزة سلطان العويس والتي أكملت العشرين عاماً من العطاء كرمت أكثر من 60 شخصية فكرية فاعلة من بينها امرأتان فقط واعتقد ان نسبة 2% قليلة جداً، ولكن بالمقابل ورغم أن الترشيح فردي، لكن نجد ان عدد المرشحات قليل جداً مقارنة بعدد المترشحين، لذلك أؤكد ان المسألة حضارية يجب تغييرها.
في حين يرى الدكتور محمد الرميحي من الكويت ان الجميع للأسف يتعامل مع المرأة بشكل سطحي ويحاول ان يضع المرأة في أطر ضيقة، لأن موضوع المرأة موضوع عميق يخترق الثقافة والسياسة والفكر وحتى اللحظة المرأة العربية ليست شريكة حقيقية للرجل، لأنه توجد داخل ثقافتنا مقاومة شديدة لإبراز المرأة بالشكل العميق
وهذا لن يتحقق الا بتغيير نظرة المرأة لنفسها واعتقد ان نظرة المجتمع العربي للمرأة لن تتغير إلا بعد 200 سنة، وهو الفرق بين اختراع المطبعة في العالم والسماح بدخولها للوطن العربي، ولكن نأمل أن تعامل المرأة من منطلق ثقافي وفكري وحضاري وليس من منطلق شكلي مادي«.
ومن المملكة العربية السعودية كان لنا لقاء مع »نوال بخش«، مدير الإدارة النسائية وبرامج الأسرة والطفل بإذاعة الرياض، التي ترى ان تواجد المرأة السعودية وتحديداً المفكرة في المحافل الفكرية والثقافية حديث، وان كانت المرأة الخليجية تخرج الى العالم على استحياء،
وتوجد في السعودية العشرات ان لم يكن المئات من المفكرات وفي مجالات مختلفة يستحقن الحصول على الجوائز التي تمنح للمبدعين والموهوبين وتستدرك قائلة: ولكن للأسف لم تصلنا قوائم الترشيح داخل السعودية ونحن نفاجأ بوجود فئات الجائزة، لذلك أشعر كأنها موجهة للدول العربية الاخرى أكثر من السعودية، وقد يكون هذا الوضع ناجماً عن التفكير الجمعي، الذي يقف وراء اقصاء المرأة لا شعورياً،
ويظل الرجل دائماً في المقدمة ومن يكون في المقدمة لا يرى وراءه، وعموماً المرأة العادية أو المفكرة مستبعدة من منصات التكريم والجوائز إلا الأسماء التي أصبحت معروفة، خاصة ان المرأة بصفتها الفردية لا تملك حق الترشيح، لأن الدعوة تصل الى المؤسسة، وهي التي تقوم بالترشيح، والمفروض على المؤسسات التي تعنى بمجالات الفكر والإبداع مساعدة المرأة ونفض الغبار عنها.
تختلف هداية درويش سلمان، رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير موقع هداية دون نت ان المرأة العربية المبدعة والتي تملك موهبة تتخاذل في تقديم نفسها للمجتمع ولا تعرف التسويق لأفكارها. لذلك لا أجد المؤسسة مسؤولة عن دق الأبواب وعليها أن تبادر وتسعى للتعريف بنفسها، واعتقد أن المرأة العربية تخجل من اتخاذ أي خطوة،
في حين أن التاريخ مليء بأسماء عربية ساهمت في نهوض الأمة في جميع المجالات وتستحق التكريم والاهتمام، ولذلك نأمل من قيادات الفكر العربي والمهتمين بهذا الشأن محاولة معرفة الأسباب و الفصل في قضية ما اذا كانت المرأة العربية غائبة بمحض ارادتها أم مغيبة بفعل فاعل.
وهكذا فإنني اعتقد أن مؤسسة الفكر العربي متمثلة في شخص الأمير خالد الفيصل لديها تحيز او تفرقة بين الجنسين سواء كان مفكراً أو مفكرة ولكن المسألة يجب أن تقيّم بشكل علمي للوصول إلى جواب شاف عن سؤال عريض.. لماذا المرأة العربية المفكرة غائبة عن التكريم؟؟!!
بكلام دقيق وموجز تقول عائشة سلطان: إن قرار تكريم المرأة قرار ذكوري لأن صانع القرار في المؤسسة هو رجل وللأسف توجد علاقة تنقصها الثقة بين الطرفين على مستوى العلاقة المؤسساتية وكذلك علاقة المرأة العربية بالمؤسسة لذلك أنا بدوري أطرح سؤالاً عريضاً ما هو الدور المطلوب من المرأة داخل المؤسسة حتى تحظى بالتكريم والتقدير؟
جميع الآراء التي طرحت تعبر عن أراء أصحابها وبما أن البعض أشار إلى غياب المرأة المفكرة المكرمة في المؤتمر من مؤسسة الفكر، فقد كان لنا لقاء مع د. علي موسى، الأمين العام المساعد لمؤسسة الفكر العربي الذي يؤكد على أن الموسسة تحرص قدر المستطاع على الوصول إلى المعنيين بالترشيح في جميع التخصصات:
الفكر والأدب، العلوم، الفيزياء والرياضيات، والهدف من التكريم هو التعريف بجهودهم واعتراف من الأمة بانجازاتهم ويتم ذلك عن طريق معايير وشروط واضحة من خلال نموذج الترشيح الذي يرسل إلى جميع الجامعات العربية ومراكز الأبحاث والهيئات الدراسية والمؤسسات المعنية بالابداع. الا أن الملاحظة العامة أن جوائز كثيرة في الوطن العربي تعاني من اشكالية كبيرة وهي عدم وجود وعي واهتمام بقضية الترشيح واغفال معايير كثيرة.
ومن ضمن هذه الاشكاليات الموجودة في بعض المؤسسات المحسوبية حيث تلعب العلاقات الشخصية دوراً رئيسياً في الترشيح إضافة إلى الأنانية الشخصية، مما يضيع الفرصة على الكثير من المستحقين للتكريم. ويضيف: لا أنكر وجود نقص ملحوظ في ترشيحات المرأة المبدعة والموهوبة، ولذلك نضطر للبحث المتكرر عن الأسماء التي تستحق من أجل خلق روح التنافس لتشجيع المبدعين والمبدعات.
وللأسف، فإن الكثير من المؤسسات لا تمتلك المعلومات الكافية حول عدد النساء المبدعات لذلك ندعو المرأة الى أن تبادر بالتعريف عن نفسها وترشح اسمها ونحن معنيون بمساعدتها للوصول إلى المراكز التي تليق بفكر المرأة. ولدى مؤسسة الفكر العربي قناعة كاملة بأن المرأة يمكنها تقديم اضافة نوعية للفكر العربي ولكن اذا منحت الفرصة في الترشيح واحترام المعايير.
والجدير بالذكر أن المؤسسة كرمت منذ تأسيسها أسماء فكرية مميزة بداية بفدوى طوقان وزهاء حديد وأميرة حسن ابراهيم وثريا عبيد وريما قدورة ودعاء عبدالرحمن ود. شادية رفاعي حبال ود. سميرة المرغني.
استطلاع: أمينة عماري