مديرة تحرير وكالة أنباء شينخوا الصينية لـ «البيان»:

الإعلام العربي مطالب بتقديم بديل لنظيره الغربي المهيمن

أكدت زيونغ لي، مدير تحرير وكالة أنباء شنخوا الصينية أن البلدان العربية ينبغي لها أن تقوم بما يخدم مصالحها الخاصة وعدم الالتفات إلى إملاءات الآخر، مشيرة إلى أن مبدأ حرية الصحافة يعد من وجهة نظرها مفهوما مجرد فضفاضا لا يجب الحكم من خلاله على مدى تقدم دولة من عدمه.

وفي حوار خاص لـ »البيان« على هامش مؤتمر الإعلام العربي والعالمي الذي عقد أخيرا في دبي، قالت زيونغ لي إن الإعلام العربي يتعين عليه تقديم ما يمثل الإعلام البديل للإعلام الغربي الذي يمارس ضغوطاً سلبية على المجتمع الدولي ودوائر اتخاذ القرار.

و فيما يلي نص الحوار:

٭ أود التعرف أولاً على انطباعك عن هذه التظاهرة الإعلامية ومغزى الوجود الصيني المكثف في المؤتمر؟

ـــ أرى بادئ ذي بدء أنها مبادرة جيدة من قبل القائمين على هذا المؤتمر الذي يواكب حقبة مهمة في تاريخ العالم. ففي حقيقة الأمر تمثل هذه التجمعات أهمية كبيرة لنا في الصين، لاسيما في ضوء التطورات الجيوسياسية الكبيرة التي طرأت على العالم منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر. فنحن رأينا تغيراً جذرياً في تعامل الإعلام الغربي مع الأحداث في المنطقة العربية بشكل خاص ومع الشرق الأوسط بشكل عام. وكان من المهم لنا كإعلاميين في الصين أن نأتي لنرى الصورة عن قرب من خلال هذه المؤتمرات التي تمثل لنا أهمية كبيرة.

٭ بوصفك المسؤولة عن واحدة من أكبر وكالات الأنباء في القارة الآسيوية، أود التعرف منك على الصورة المتكونة لدى أكثر من مليار و200 مليون صيني عن المنطقة العربية بشكل عام ودول الخليج بشكل خاص؟

ــ في واقع الأمر مرت علينا عقود طويلة لا نعرف خلالها شيئا في الصين عن المنطقة العربية سوى ما يرد في القصص الخيالية مثل »علي بابا والأربعين حرامي« وما إلى ذلك. ونعرف أيضا عنكم بعض التقاليد والعادات مثل الحجاب. وترى أحيانا البعض في الصين يقول: »لماذا تخفي المرأة العربية جمال وجهها على سبيل المثال؟« بجانب ذلك نعرف أن لديكم موارد ضخمة مثل النفط. ولكن في الحقيقة تتملكنا الدهشة كثيراً في الصين عند الحديث عن الدول العربية وذلك بسبب حالة الفرقة التي تعاني منها تلك الدول وأتمنى ألا يغضبك حديثي في هذا الأمر .

فأنتم على الرغم من وجود كل تلك الموارد الضخمة التي تمتلكها البلدان العربية والتي يمكن ان تساعدكم على تبوء مكانة كبيرة على الساحة العالمية، إلا انكم لا تستطيعون الاستفادة من هذا الهامش من التفوق على كثير من بلدان العالم ومنها إسرائيل على سبيل المثال بسبب حالة اللاوحدة التي تقطع أوصال البلدان العربية.

فإسرائيل لديها امكانات أقل بكثير ولكن وحدة الكلمة بها تساعدها على تبوء مكانة القوي المتحكم في أحيان كثيرة بمجريات الأمور. ونحن نرى أن هذا التناحر الموجود بين الدول العربية لا يصب إلا في مصلحة الآخر.

٭ كيف يرى الصينيون وضع الإعلام العربي على الساحة العالمية؟

ـــ نحن لدينا نحو 18 مكتباً إعلامياً في المنطقة. ولكن إذا نظرت إلى الوجود الإعلامي العربي في العالم، فإنك تجده محدودا للغاية ولايمثل على الإطلاق أي بديل للإعلام الغربي وأبواقه المتعددة في جميع أرجاء العالم،، وهو أمر بالفعل جد خطير لأن الإعلام الغربي بجميع وسائله لعب دوراً مؤثراً في الساحة الإعلامية في العقود الأخيرة ولا يزال ومن خلاله يعمل الغرب على تهيئة الرأي العام العالمي ضد دولة ما أو منطقة بعينها.

ولذا فأنا أرى أن الإعلام العربي فاشل حتى الآن في إيجاد البديل المناسب للإعلام الغربي بكل سيطرته وهيمنته على دوائر اتخاذ القرار في العالم. وفي الوقت نفسه يجب أن يكون هذا الإعلام متوازناً وموضوعياً حتى يجد من يسمعه. فأنا أرى أن قناة الجزيرة القطرية على سبيل المثال تقوم بعمل جيد في أحيان كثيرة ولكن في الوقت نفسه فإن المبالغة في نقل الأحداث تؤدي إلى أثر عكسي.

ولذا فإنه مطلوب من بلدان الشرق الأوسط بشكل عام أن يكون لها وجود أكثر فعالية على الساحة العالمية وتقدم البديل الموضوعى للإعلام الغربي وعدم ترك الساحة مفتوحة له بهذا الشكل الذي يجعل بلا شك من الإعلام أداة سياسية ذات أثر سلبي على مصالح الدول التي لا تملك الأدوات الإعلامية اللازمة في عصر متغير المعطيات كالذي نعيش فيه.

وأريد مرة أخرى التأكيد على قضية الموضوعية في تناول القضايا. فنحن نسمع من أصدقائنا في الشرق الأوسط أن قناة مثل الجزيرة يتم تمويلها من الخارج لخدمة أغراض معينة. وعلى الرغم من أننا لا نتعامل مع تلك الآراء على أنها مسلم بها، إلا أنها في الوقت نفسه تؤخذ في الاعتبار بشكل أو بآخر.

٭ هذا بالطبع يقودنا إلى الحديث عن قضية حرية الصحافة. فما هو منظورك في هذا الشأن؟

ـــ في الحقيقة أنا أفضل أن أكون واقعية وعملية في آرائي ومعتقداتي. وقد تندهش عندما أقول لك إنني لا أرى أن هناك ما يسمى بحرية الصحافة في العالم بأسره. فالصحافة لا يمكن أن تكون حرة، فهذا أمر بعيد المنال بشكل كبير . كما أنني أرى أن هذا المفهوم نسبي وليس مطلقا ولا يمكن قياسه على كل الدول بشكل متعادل.

٭ هل لك أن تكوني أكثر وضوحاً في هذا الشأن؟

ـــ أريد أن أقول إن هناك فرقا بين حرية الصحافة وحرية التعبير وحتى حرية التعبير غدت صعبة للغاية. فنحن في الصين على سبيل المثال، وأرى أن الوضع كذلك في كثير من الدول، ليس لدينا حرية الصحافة المنصوص عليها بشكل واضح وصريح في الدستور والقوانين . يمكن أن تكون هناك حرية تعبير بشكل أو بآخر ولكن لا أعتقد أن حرية الصحافة مكفولة في العالم. على سبيل المثال عندما تتحدث صحيفة أو مجلة ما عن أسلوب حياة ومعتقدات طائفة ما،

ولتكن المسلمين على سبيل المثال، فأنت ترى من يكيل الاتهامات ويرفع القضايا على الصحافي الذي كتب المقالة وأحيانا يتطور الأمر إلى إغلاق الصحيفة، وهو ما حدث في كثير من بلدان العالم، ومن ثم يفقد الصحافي مورد رزقه. هذا المثال يوضح حقيقة أنه قد تكون هناك حرية تعبير، والمتمثلة هنا في السماح بالنشر ولكن حرية الصحافة غير موجودة لأن الصحافي عوقب على التعبير عن رأيه وتعرض للتنكيل بسببه.

وهنا أنا لا أتحدث عن تجاوز المعايير الإخلاقية في التعبير، بل أن هناك معايير أخلاقية يتعين الإلتزام بها بشكل أو بآخر ولكن ليس على حساب حرية الصحافة من وجهة نظري، وهنا تكمن الصعوبة. فنحن يجب أن نكون موضوعيين وعمليين في حكمنا على الأشياء. ولكن دعنا نتحدث هنا عما هو أهم من وجهة نظري وهو الدور الحقيقي الذي يجب أن يلعبه الصحافي،

وهو التركيز على القضايا الحيوية مثل العدالة الاجتماعية والشفافية والإدارة السليمة ومشاركة الشعب في اتخاذ القرار في القضايا ذات الأهمية الشعبية مثل الإسكان والمدارس والخدمات الصحية. وهذا هو ما نقوم به في الصين في أحيان كثيرة.

ولا أعتقد أنه من الصواب أن نحكم على تقدم المجتمعات من زاوية حرية الصحافة، وأن نقول إن هذا المجتمع أو ذاك متقدم أو متأخر في ضوء مقدار الحرية الصحافية المتاحة به. فحرية الصحافة هي مفهوم مجرد لا يمكن الحكم من خلاله على المجتمعات، وذلك لأن المجتمعات تختلف في مقدراتها وأساليب معيشتها.

وهنا أود الإشارة إلى أمر آخر شديد الصلة وهو أن الإعلاميين ورجال السلطة الرابعة ليس من المفترض فيهم الحكم على الأشياء وتوجيه المجتمع أو القارئ إلى تبني فكرة ما. فأنا كصحافية أو إعلامية يتعين علي أن أعرض جميع جوانب القضية محل البحث والتركيز على الرأي والرأي الآخر وتقديم كل هذا في صورة مادة صحافية شيقة يستطيع القارئ أو المستمع من خلالها الحكم على الأشياء بشكل سليم. وبالتالي فأنا هنا لا أفرض عليه أمراً معيناً ولا أدفعه دفعاً إلى تبني وجهة نظر معينة.

٭ كيف ترين التبادل الإعلامي بين دول الصين والدول العربية؟

ـــ للأسف الشديد لا يوجد ما يمكن أن يطلق عليه تبادل إعلامي مثمر بين الدول العربية والصين على الرغم من وجود أراض مشتركة يمكن أن نلتقي من خلالها. وأعتقد أن حاجز اللغة هو أهم تلك العوائق. فعلى سبيل المثال هناك تبادل إعلامي جيد بين دول شرق آسيا وجنوب آسيا والصين في ضوء التقارب اللغوي ولكن هذا التعاون غير موجود حتى الآن مع الدول العربية إلا من خلال بعض البرامج الإعلامية بين وكالات الأنباء مثل »شنخوا«، أتمنى أن تشهد الفترة المقبلة تقاربا في هذا الشأن وأرى أن مثل هذه المؤتمرات تمهد الطريق إلى ذلك.

٭ أود الانتقال إلى قضية الإرهاب العالمي وأثر التغطية الصحافية الموازية لها على القارئ في بلادكم؟

ـــ لا شك أن للتغطية المتحيزة أثراً ولكنه ليس مطلقاً بأية حال من الأحوال. فأنا على سبيل المثال لم أٌخدع بما قاله الغرب على طول الخط بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. ولكن في الوقت نفسه لا يمكن انكار أن شريحة كبيرة من الصينيين تأثروا سلبا بما يقوله الغرب عن العرب ويرون أن هؤلاء العرب متوحشين. وهنا أعود إلى نقطة الإعلام البديل.

ولكننا في الوقت نفسه نجد أن هناك تقارير إعلامية وصحافية في قناة مثل »بي بي إس« الصينية على سبيل المثال تفيد بأنه لا يمكن أن يتحول بشر إلى قنابل موقوتة ويفجرون أنفسهم من دون أن يكون هناك دافع وراء ذلك. فلا يمكن أن يقدم انسان على التضحية بنفسه من دون سبب. فهذا هو جزء من الصورة المأخوذة عن العالم العربي في الشارع الصيني. وأعتقد أن الأمر ذاته ينسحب على عدد كبير من مجتمعات العالم.

٭ من منطلق مهنتك كصحافية، كيف تُقومين تجربة الديمقراطية في الشرق الأوسط؟

ـــ بصراحة شديدة يتعين على بلدان المنطقة ألا تلتفت إلى ما يقوله الآخر. فتلك البلدان لديها تقاليدها وتراثها الذي لا يجب أن يتدخل فيه الغرب. فمن هو الذي لديه حق تعريف الديمقراطية ؟ أعتقد أن الإجابة معروفة. وعلى أية حال فإن الأمر لا يمكن التعامل معه بشكل مطلق. فهناك اختلاف بين دول المنطقة في هذا الصدد. فدولة مثل تركيا على سبيل المثال مختلفة عن غيرها وأعتقد أن الوضع في مصر بدأ في التغير أيضا.

٭ أخيرا أود منك التعليق على التجربة الصينية والوجود الصيني الملموس على الساحة العالمية على جميع الأصعدة؟

ـــ لا يمكن لأحد أن ينكر التقدم السريع في معدلات النمو الصينية في العقود الأخيرة ولكن في الوقت ذاته لا يمكن اغفال أن هذا النمو السريع وما صاحبه من عمليات تنمية كان له أثر سلبي في البيئة الصينية، فنحن نجد أن عددا كبيرا من الأنهار الصينية الآن أصابه التلوث بسبب الحصان الجامح للتنمية الصناعية.

كما لا يمكن أيضا اغفال الهوة الكبيرة بين الفقراء والأغنياء وهو ما دفع البعض إلى التخوف من أن يمتد ما حدث من أعمال عنف في فرنسا مؤخرا إلى دولة مثل الصين بسبب الهوة الكبيرة التي تفصل بين طبقات الشعب. ونحن نتكلم عن تلك الأشياء بكل صراحة في الصين وتلك هي حرية التعبير.

أجرى الحوار: حاتم حسين

طباعة Email
تعليقات

تعليقات