ورث وليد جنبلاط عن والده كمال جنبلاط خصومة سياسية مع المسيحيين. ظنّ جنبلاط الأب في لحظة سياسية ما انه يستطيع تعديل وتغيير موازين القوى الداخلية غير آبه بالسقوف المرسومة إقليمياً ودولياً, إلا أن الحقيقة المرة سرعان ما أظهرت أن السقوف مرسومة بدقة يصعب على لاعب مثل كمال جنبلاط أن يحاول تخطيها والقفز فوقها, ولم يدرك هذه الحقيقة إلا الولد بعدما غاب والده .
في السنوات الأولى لاستلامه الزعامة الجنبلاطية, لم يقدر لوليد جنبلاط ان يخوض أية اختبارات حقيقية في حدود زعامته في جبل لبنان الجنوبي. جاء العام 1982 وبدت تباشير »الحلم المسيحي« الذي طالما عبر عنه بشير الجميل. في الحوارات التي استضافها الرئيس اللبناني الراحل الياس سركيس في القصر الجمهوري في بعبدا في مطلع تلك السنة،
قال وليد جنبلاط مخاطبا بشير الجميل »ماذا تريد من الجبل«؟ فأجابه بشير: »أريد حماية المسيحيين«. قال له جنبلاط »تعال واصعد في سيارتي إلى عاليه ومن هناك نستطيع أن نحمي سوياً أبناء الجبل دروزا ومسيحيين«.
جاءت دعوة جنبلاط متأخرة. كان بشير الجميل قد ابرم اتفاقا مع الإسرائيليين بأن يتولى حماية المسيحيين، كأحد أثمان تغطية قرار إسرائيل باجتياح لبنان. بعد فترة وجيزة، حصل الاجتياح الإسرائيلي وصعدت »القوات اللبنانية« إلى الجبل. قتل بشير الجميل وجاء العام 1983 وبدا القرار واضحاً.
هناك من يريد من عنوان حماية الوجود المسيحي ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد. إضعاف وليد جنبلاط. استنهاض مسيحيي الجبل الجنوبي. تصفية حسابات داخل أبناء البيت المسيحي الواحد. وهكذا اندلعت »حرب الجبل« في سبتمبر من العام 1983 وتحول مشروع حماية المسيحيين إلى مشروع تهجير ومجازر لا تزال تداعياتها ماثلة حتى الآن.
عندما تحدث وليد جنبلاط إلى سمير جعجع عبر الهاتف الخلوي قبل عشرة أيام, شعر انه يتحدث مع خصم حقيقي. ربما المصالحات التي حصلت في الجبل سابقا عبارة عن مصالحات فوقية بين من لم يتقاتلوا فعليا. مع سمير جعجع, تبدو المسألة مختلفة عنها مع البطريرك الماروني نصرالله صفير أو الرئيس اللبناني السابق الياس الهراوي. جعجع هو قائد حرب الجبل, من ألفها إلى يائها. يعرف كيف تقرر لها أن تسير في هذا الاتجاه وبالتالي لا مصالحة في الجبل بمعزل عن مد اليد إلى جعجع شخصياً.
وهذه ليست المرة الأولى التي يلتقيان فيها ولن تكون الأخيرة. اللقاء الأول حصل في المقر الرئاسي المؤقت في الرملة البيضاء يوم كان الياس الهراوي مهجرا من القصر الجمهوري في بعبدا. حصل ذلك في العام 1991. يومها اقتصر الأمر على مصافحة سريعة ولم يتطور إلى أي حديث في السياسة.
بالأمس اختلف المشهد بين الزعيمين الدرزي والماروني. انه لقاء سياسي بامتياز. من المصافحة إلى مضمون الحوار إلى الكثير من العناوين التي تفترض أن يستمر التواصل بين الجانبين.
ومضى أكثر من أسبوعين من الاتصالات والخوض في التفاصيل الدقيقة من اجل ترتيب اللقاء بين جنبلاط وجعجع. وارتؤي، بعد عرض سلسلة خيارات، أن يحصل اللقاء في بيروت وتحديدا في منزل وليد جنبلاط في كليمنصو, وذلك بعد هجرة سياسية لصاحبه عنه على مدى ثمانية أشهر تقريباً.
ودار أكثر من ثلاث ساعات نقاش سياسي وشخصي بين الرجلين. فجأة يتذكر وليد جنبلاط لحظة »حرب الجبل«. قال مخاطباً سمير جعجع في بداية اللقاء: لماذا قررت الصعود يا سمير إلى الجبل في نهاية العام 1982؟ أجابه جعجع: »لم يكن قراري الشخصي. كنت محكوما باعتبار من اثنين حتى أتسلق قمة الهرم القواتي.
إما الولاء والاستلزام للقيادة وإما أن أقوم بعمل صعب يجعلني افرض نفسي على الأرض. اخترت بملء قناعتي الخيار الثاني، وعندما طلب(رئيس الجمهورية الأسبق) أمين الجميل مني أن أتوجه إلى الجبل وان اصمد فقط أربعا وعشرين ساعة في بحمدون ومن ثم يتدخل الجيش اللبناني لمصلحتنا ضدكم(جنبلاط), لم أثق به وشعرت بأنه يريد التخلص مني بأي ثمن.
لكنني قررت قبول التحدي وذهبت إلى هناك وأنا على قناعة بأننا سنربح المعركة. صمدنا في بحمدون 48 ساعة ولم يأت الدعم الموعود من الجيش اللبناني وحصل ما حصل«.
تشعب الحديث وخاض الرجلان في تفاصيل »معركة الجبل« بدءاً من بحمدون وكيف كانا يتنصتان على بعضهما لاسلكيا وكيف كان يشتد القصف عندما يكتشف احدهما مكان وجود خصمه وصولاً إلى حصار دير القمر، ولماذا اختار جعجع هذه البلدة الشوفية من اجل محاولة تحشيد المسيحيين ضد الدروز وكيف خاب ظنه ومن ثم قرر الانسحاب (قال جعجع لجنبلاط إنه سار نحو ست ساعات في الجبال ليلا حتى تمكن شخصيا من الانسحاب من دير القمر باتجاه ساحل منطقة الشوف ومن ثم باتجاه الكرنتينا بحرا في بيروت).
ماذا بعد شريط الذكريات؟
الانطباع السائد أن سمير جعجع تغيّر واستفاد من فترة السجن من اجل تثقيف نفسه. قطع الرجل مع منطق الحرب وهو يسعى جاهدا من اجل استكمال المشروع السياسي الاعتدالي الذي بدأه مع سعد الحريري ووليد جنبلاط في الانتخابات الأخيرة لكنه يعتقد أن هناك مسؤولية أساسية على الزعيمين السني والدرزي من اجل احتضانه وحمايته وتقديمه كشريك، وإلا فان محاولة إظهار المسيحيين كإتباع وخيانتهم بسرعة البرق كما حصل بعد الرابع عشر من مارس, سيؤدي إلى إضعاف خيار الاعتدال وبالتالي يصبح العماد ميشال عون هو الناطق الأوحد باسم المسيحيين.
هل هناك مصلحة لجنبلاط بأن يضع حدا لنفوذ عون مسيحيا؟
الجواب حتما نعم، والأمر نفسه ينطبق على سعد الحريري، ولكن من اجل الوصول إلى ذلك ثمة أمور كثيرة مطلوبة أولها أن يكون التحالف كتفا بكتف وليس على طريقة الانتخابات النيابية وتأليف الحكومة, حيث بدا المظهر الاقصائي هو الراجح على ما عداه وبدا معه أن مسيحيي الأكثرية النيابية المحسوبين على سعد الحريري ووليد جنبلاط،
هم من النوع الذي يقبل بأن يكون تابعا وليس شريكا وبالتالي ليسوا هم من يعبر فعلا عن النبض المسيحي بدليل الإحصاءات واستطلاعات الرأي التي تعطي لميشال عون ارجحية غير مسبوقة مسيحيا بعكس ما كان يعتقد كثيرون من انه بعد انتهاء الانتخابات النيابية ستبدأ الظاهرة العونية بالتراجع لمصلحة رموز الاعتدال ممن يسود انطباع في الشارع المسيحي بأنهم ارتضوا أن يكونوا مجرد مستشارين عند آل الحريري وجنبلاط تماما على طريقة الأمير فخر الدين المعني الثاني الذي كان يتباهى بكثرة المستشارين المسيحيين من حوله ولو انه كان صاحب القرار الأول والأخير في جبل لبنان.
المطلوب إعطاء جعجع فرصة من اجل تثبيت التحول السياسي الذي قرر القيام به وهو على ما يقول ليس تحولا مرتبطا بتكتيك ما بل بخيار استراتيجي والعبرة هي في ما ستحمله الأشهر والسنوات المقبلة.
بيروت ـ ريّان الأيوبي