لن يكون بمقدور الرئيس الأميركي جورج بوش، أو من سيأتي بعده من الرؤساء الأميركيين الحصول بسهولة على موافقة ودعم الكونغرس لقرار شن الحرب، أو استخدام القوة العسكرية ضد بلد ما في المستقبل، خصوصاً إذا اتخذ الرئيس قراراً باستخدام الخيار العسكري ضد سوريا، لمعالجة الأزمة المتفاقمة بين واشنطن ودمشق. وهو خيار قالت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس وغيرها من أركان الإدارة انه يظل خياراً قائماً.
فبعد المضاعفات التي لا تزال تشهدها فضيحة إساءة استخدام المعلومات الاستخبارية وفبركتها من قبل عدد من أركان الإدارة لتبرير شن الحرب على العراق، وما ترتب عليها من مأزق للولايات المتحدة، ومشكلات للإدارة على الصعيد المحلي، وللولايات المتحدة وصدقيتها على الصعيد العالمي، أعلن زعماء الكونغرس، الجمهوريون منهم قبل الديمقراطيين أن الفضيحة علمتهم درساً بألا يصوت الكونغرس بالموافقة على قرار الرئيس بشن الحرب، قبل مراجعة ومعرفة تفاصيل المعلومات الاستخبارية التي تقدمها الإدارة، والتأكد من صدقيتها وصحتها بشكل تام. وان الكونغرس لن يقبل، بعد الآن، أي معلومات أو مبررات لشن حرب أو ضربة عسكرية وقائية ضد بلد أو هدف إلا بعد تمحيصها بدقة، ومناقشتها من جميع جوانبها للتأكد من صحتها مئة في المئة.
هذا التحول الجديد في الكونغرس، عبر عنه عدد من زعمائه مع بدء المرحلة الثانية التي شرعت فيها لجان الاستخبارات والقوات المسلحة الاثنين الماضي للتحقيق في المعلومات الاستخبارية التي جرى إساءة استخدامها وفبركتها، والمرجح أن يطلب من ريتشارد تشيني نائب الرئيس الإدلاء بشهادته عنها، خصوصاً في ضوء ما بات يعرف أنه أبرز أركان الإدارة الذين لعبوا دوراً أساسياً في تطويع تلك المعلومات لتبرير الحرب، وكذلك التحقيق والمناقشات التي ستستغرق وقتاً غير قصير بشأن الحرب في العراق، وما تم تحقيقه من أهداف حتى الآن، ومتى يمكن البدء في سحب القوات الأميركية من العراق.
أبرز الذين أكدوا هذا التحول، رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ السناتور الجمهوري بات روبرتس بقوله: »الكثير منا، سيفكر ملياً، قبل التصويت بالموافقة على شن حرب، أو القيام بعمل عسكري، ولن نقبل بعد الآن المعلومات الاستخبارية على علاتها، وأن المرحلة الثانية من التحقيقات التي بدأت لمعرفة إن كانت إدارة الرئيس بوش بالغت في المعلومات الاستخبارية، أو أساءت استخدامها لشن الحرب، قد لا تنتهي هذا العام«.
نائب رئيس اللجنة السناتور الديمقراطي جون ركفلر كان في تصريحاته أكثر وضوحاً وهجوماً على الإدارة بقوله: إن مرحلة المراجعة والتحقيقات التي بدأت مفيدة جداً لأن الحقيقة أظهرت بأن الإدارة خلقت أو قولبت معلومات استخبارية لكسب تأييد الشعب الأميركي للحرب، وهذا أمر سيئ يجب ألا يتكرر إطلاقاً.
السناتور كارل ليفين (ديمقراطي) أشار إلى العواقب الخطيرة التي ترتبت على فبركة وإساءة استخدام المعلومات الاستخبارية، والحرب التي ترتبت على ذلك وقال: إن العراق أصبح مركزاً للإرهاب بعد غزوه في مارس عام 2003.
وقال: »إني أخشى بأننا سنرى العراق ليس فقط مركز الحرب على الإرهاب، وهو لم يكن قبل غزونا للعراق، بل سيصبح العراق مُصدِّراً للإرهاب، وقد أصبح العراق أرضاً تشكل مركز القلب للإرهاب. ولم يكن كذلك قبل أن نغزوه«. الزعيم الجمهوري البارز السناتور جون ماكين هو الآخر بدوره أكد ضرورة مراجعة المعلومات الاستخبارية بدقة في المستقبل، والتأكد من صدقية مصادرها وصحتها قبل اعتمادها والوثوق بها للتصويت بالموافقة في الكونغرس على قرار الرئيس بشن الحرب.
وأعنف الانتقادات جاءت من السناتور الديمقراطي هاري ريد، إذ قال: إن تشيني لا يجد الوقت الكافي لتقديم المعلومات التي لديه عن القضية للكونغرس، بينما يجد الوقت للاجتماع سراً في البيت الأبيض مع أحمد الجلبي (نائب رئيس الوزراء العراقي) مع أن الجلبي مطلوب للعدالة وأدانه القضاء الأردني، وحليفنا (الجلبي) الذي زود هذه الإدارة بمختلف أنواع المعلومات الاستخبارية (عن أسلحة الدمار الشامل العراقية) تمهيداً للحرب، وقد ثبت أنها معلومات خاطئة«.
ومستفيداً من استياء الشعب الأميركي من فبركة المعلومات ومعارضة أغلبيته للحرب قال السناتور ريد: »إن الشعب الأميركي يريد معرفة ما جرى في هذه الاجتماعات السرية وهل أعطى خلالها المسؤولين معلومات كيف نشن الحرب؟ وكيف سنتعامل مع النفط العراقي؟ وطلب من تشيني ان يظهر في مؤتمر صحافي حيث يمكن لكل شخص أن يسأله عما يجري وعن الوضع وعن توجيه الاتهام لمسؤول كبير في البيت الأبيض (مدير مكتب تشيني) وهي أول مرة تحدث منذ 135 عاماً.
الخلاف والجدل بين الجمهوريين والديمقراطيين سيستمر وسيطول حول تحقيقات المرحلة الثانية، وآلية سيرها وعملها لمعرفة من أساء استخدام المعلومات الاستخبارية وساهم في فبركتها. ومن يتحمل المسؤولية لتحقيق أغراض عديدة سياسية وانتخابية. لكنهم متفقون تماماً على أنهم تعلموا الدرس، ولن يسمحوا بتكرار ما وقع، وان تحولاً جديداً حصل وإن الكونغرس لن يقبل مبررات أي حرب دون تدقيق مفصل يؤكد صدقيتها، وان الكونغرس لن يصوت بسهولة بالموافقة ودعم قرار الرئيس بشن الحرب بعد تجربة الحرب على العراق.
واشنطن ـــ محمد صادق: