يعتبر عالم الآثار الإسرائيلي غابي بركاي ممثلاً مخلصاً لمنهج في الآثار يمزج السياسي بالأيديولوجي معتمداً جغرافية التوراة كمرجع مقدس . وهو منهج ابتدأ منذ أربعة قرون على الأقل عندما بدأ الأثريون في الغرب حملات تنقيب واسعة في فلسطين حاملين معول الحفر في يد وفي الأخرى التوراة باحثين عن جغرافية
التوراة.
ولم يحقق هذا المنهج نتائج مهمة رغم الدعم الذي وفر له خصوصا عندما أصبح البروفسور جون جارستانج أول مدير لدائرة الآثار الفلسطينية عام 1920 وكان مثل كثيرين غيره من أنصار المنهج التوراتي في التنقيب الأثري في فلسطين فشجع المنقبين أصحاب الفكر الصهيوني على العمل ووضع بتصرفهم الإمكانيات اللازمة خصوصا وان عمله لم يكن بعيدا عن هدف سياسي للانتداب البريطاني صاحب وعد بلفور بتمكين اليهود من وطن قومي في فلسطين .
وفي يونيو عام 1967 عندما احتلت إسرائيل القدس والضفة الغربية كانت أجندتها الأثرية جاهزة بجانب الأجندة السياسية فألغت كل تصاريح التنقيب التي كانت منحتها الحكومة الأردنية للبعثات الأثرية الأجنبية وبدأ الأثريون الإسرائيليون يسابقون الزمن في عملية تنقيب وحفر خصوصاً تحت وبجوار الحرم القدسي الشريف في البلدة القديمة من القدس وأدى ذلك إلى مفاعيل سياسية مثل انتفاضة النفق عام 1996.
ووجه أثريون من مختلف أنحاء العالم ومن بينها إسرائيل انتقادات لهذا المنهج الأثري الذي يعتمد جغرافية التوراة لإثبات حقوق سياسية لليهود في فلسطين .
ورغم الجهود الكبيرة التي بذلت لم يحقق هذا المنهج نتائج ملموسة إلا أن بركاي استمر بشكل دؤوب متمسكا بمنهجه وقدم تفسيرات عديدة لاكتشافات أثرية تناسب منهجه الأثري والتأكيد على الحق اليهودي في فلسطين.
وتحول إلى نجم في عالم الآثار التوراتي ولكنه أكثر من غيره كان يدرك الضعف الذي يكتنف منهجه لهذا شعر في ظهيرة الأربعاء 28 سبتمبر الماضي 2005 وكأن السماء فتحت له أبوابها فما الذي حدث في تلك الظهيرة.
كان فريق اثري يقوده بركاي وعالم أثار آخر هو »تسمي تسفيغ« يبحث في ركام من الأتربة والنفايات كانت دائرة الأوقاف الإسلامية أخرجتها قبل ستة أعوام خلال أعمال الترميم في المصلى المرواني عندما وقعت في يده قطعة أثرية صغيرة.
ولم يتمالك بركاي نفسه من المفاجأة من دون تمحيص واجب في مثل هذه الحالات أصبح على يقين من انه عثر على قطعة أثرية تعود إلى ما يطلق عليه عهد الهيكل الأول أي في القرن السادس قبل الميلاد.
وسارت الأحداث في ذلك اليوم وكأن مسرحا لها ففي تلك الأثناء كان يعقد في منطقة سلوان بجوار المسجد الأقصى التي يطلق عليها الإسرائيليون مدينة داود المؤتمر السادس للحفريات ولم يكن هناك مكان انسب من هذا المؤتمر الأثري الإيديولوجي والذي يشارك فيه علماء من مختلف دول العالم ليعلن بركاي اكتشافه.
وقف بركاي أمام المؤتمرين وقال انه وبعثته عثروا على ختم مكسور من الطين كتبت عليه ثلاثة أسطر قصيرة بأحرف عبرية قديمة من عهد الهيكل الأول.
وقال ان مصدره هو إسطبلات سليمان »المصلى المرواني« مما يشير إلى أن تحت ذلك المكان الكثير مما يكشف عن تاريخ مملكة يهودا ويحقق أخيرا حلم أجيال من الأثريين بصدق جغرافية التوراة.
انه عبارة عن كتلة من الطين المحروق مساحتها اقل من سنتيمتر مربع واحد وان الأحرف التي كتبت عليه حسب بركاي هي »يهو«. ورغم اعتراف بركاي أمام المؤتمر انه يجب إخضاع هذه القطعة إلى دراسة إلا انه سارع بكثير من الحماس لتفسير ما كتب على تلك القطعة قائلا »كانت هذه دعوة سلام مباشرة من ملوك عائلة داود«.
وبعيدا عن القاعة التي عقد فيها المؤتمر كان هناك أثريون إسرائيليون يدركون أكثر من غيرهم بأن ما جرى لا يخرج عن باب الدعاية وسعي بعض الأثريين إلى الشهرة بأي ثمن وان كان بامتطاء التوراة. ومن بين من اثار حفيظتهم لهذا الامر الذى روجت له وسائل الاعلام الاسرائيلية الجانب الفلسطيني الذي ينظر بخطورة لكل اكتشاف من هذا النوع لأنه يعزز المطالب اليهودية بهدم الأقصى وبناء الهيكل . (وام )