لم تحسم المعارضة السورية بأجنحتها الداخلية والخارجية، والتي تبنت في معظمها »إعلان دمشق«، موقفها بشكل حاسم من موضوع العلاقة مع الخارج، والمقصود هنا الولايات المتحدة الأميركية بوصفها صاحبة المشروع المعلن لإعادة تشكيل الشرق الأوسط الكبير.
وظهر في الأيام الأخيرة عاملان جديدان وضعا المعارضة السورية على المحك، الأول خطاب الرئيس السوري بشار الأسد وحديثه عن المعارضة والاستقواء بالخارج، واعتقال المعارض كمال اللبواني الذي التقى نائب مستشار مجلس الأمن القومي الأميركي في واشنطن.
ويعتقد طيف واسع من معارضة الداخل وخصوصاً التجمع الوطني الديمقراطي الذي يضم خمسة أحزاب يسارية وقومية معارضة أن الاتصال بالخارج، أي الولايات المتحدة الأميركية، يعتبر خطيئة سياسية لا تغتفر، نظراً لمطامع الولايات المتحدة في المنطقة وتنفيذها لأجندة إسرائيلية.
ولذلك تقتصر معارضة »التجمع« والشخصيات الدائرة في فلكه على انتقاد سلوك النظام بشأن الحريات الديمقراطية والسياسية الداخلية وانتهاكات حقوق الإنسان، أما السياسة الخارجية فلا تحتل إلا جزءاً صغيراً من البيانات.
ورغم أن التجمع انتقد بشدة السياسة السورية في لبنان ودعا إلى محاسبة المسؤولين عن جريمة اغتيال الحريري أياً كانوا وفي أي موقع يعملون، إلا أنه أبقى موضوع الاتصال بالولايات المتحدة شأناً مرتبطاً بالنظام، وحرم على أعضائه أي لقاء مع أي مسؤول أميركي سواء في الداخل عبر السفارة الأميركية، أو في الخارج عبر زيارات ولقاءات مع المسؤولين الأميركيين الذين بدوا منفتحين على المعارضة السورية في العام الأخير.
والمرجح أن »التجمع« والشخصيات السياسية المستقلة المحسوبة عليه ينفذون اتفاقاً شفهياً مع السلطة يلتزمون فيه بالعمل العلني وعدم الاتصال مع الخارج، وهو ما عبر عنه بشكل صريح المعارض ميشيل كيلو أحد أبرز الموقعين على »إعلان دمشق«.
ويذهب طيف آخر من المعارضة السورية في الداخل ومعظم هؤلاء من القوى والشخصيات الشابة وغير المنحدرة من أصول قومية أو يسارية إلى التمييز بين حوار مع الولايات المتحدة وبين استقواء بالخارج، ويرى هؤلاء أن من واجب المعارضة أن تشرح وجهة نظرها للمجتمع الدولي وان توصل صوتها إلى البرلمانات الغربية ومراكز صنع القرار للتأثير على النظام وانتزاع المزيد من الحريات والمكاسب الديمقراطية، لاعتقاد هؤلاء بأن النظام لا يستجيب إلا عبر الضغوط، وهو ما عبر عنه اللبواني بشكل صريح في مقابلاته التلفزيونية أخيراً.
وقد وصل الأمر بأنصار وجهة النظر هذه إلى اتهام المعارضة التقليدية التي يقصدون بها »التجمع الوطني الديمقراطي« بالتكلس الفكري والجمود العقائدي بعد أن رفضت المشاركة في مؤتمر باريس الذي دعت له قوى من الداخل والخارج سرعان ما انفضت عنه لضعف تمثيله.
ويبدو أن هذا التوجه الداعم للاتصال بالولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي قد كسب في اليومين الأخيرين نصيراً جديداً عندما تبنت جماعة الأخوان المسلمين المحظورة في بيان للرأي العام تأييدها لما أسمته »الحوار الهادف إلى بناء أفضل علاقات مع العالم«، وتمييزها ذلك الحوار عن موضوع الاستقواء بالخارج »الذي يهدف إلى جلب العدوان على الوطن«.
وفيما يرى بعض المراقبين أن هذه القضية خلاف عرضي وقد تشكل نوعاً من تقاسم الأدوار بين أطراف المعارضة، يرى آخرون بأنها تعبير عن خلافات جوهرية، يمكن أن تتعمق في المدى المنظور لتؤدي إلى انفراط عقد »إعلان دمشق«.
دمشق ـ تيسير أحمد: