كشفت الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ضد المنظمات غير الحكومية اليمنية عن هشاشة هذا القطاع من جهة، وعن ازدواجية الموقف الحكومي تجاه مؤسسات وهيئات المجتمع المدني من جهة أخرى، ما يضعف دورها في الشراكة من أجل التنمية المستدامة.
وجاءت الإجراءات بعد أن كانت الوزارة قررت في الآونة الأخيرة شطب 1480 منظمة وجمعية من سجلاتها بجريرة مخالفتها للقوانين والنظم ما يرفع النسبة الإجمالية للمنظمات غير الحكومية المرشحة لحظر نشاطها إلى أزيد من 50 في المئة.
ويأتي الإجراء الحكومي ضد هذه المنظمات في ظرف أقل من شهر على إعلان الوزارة أن العدد الإجمالي لهيئات ومنظمات المجتمع المدني في اليمن وصل إلى 4766 منظمة وهيئة أهلية وجمعية خيرية في إشارة منها إلى حيوية التجربة الديمقراطية اليمنية التي أنتجت ذلك الكم من المنظمات.
وحسب مصادر مطلعة فإن هذا الإجراء استند إلى ما تقول الوزارة إنه دراسة مسحية خلصت إلى أن 50 في المئة من المنظمات غير الحكومية مخالفة لقانون الجمعيات الأهلية لعام 2001 وللائحته التنفيذية وكثير منها لم تقم بترتيب أوضاعها بناء على القانون الجديد.
واعتبر المراهنون على هذا القطاع الإجراء الحكومي ضد هذه المنظمات مخيباً للآمال المعقودة على فاعلية المنظمات غير الحكومية في تحقيق التنمية المستدامة ومؤشر على فشل الحكومة في إدماجه في تلك العملية ما يعد تقصيراً في دعمه.
وفي هذا السياق، قال الخبير في المنظمات غير الحكومية أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة صنعاء الدكتور فؤاد الصلاحي لـ "البيان" إن الرهان على دور المجتمع المدني رهان عالمي خاصة في ظل العولمة لكن واقع حال المنظمات غير الحكومية في اليمن أضعف المراهنة على دورها في التنمية المستدامة فهي تعمل في ظل ظروف ذاتية وموضوعية لا تجعلنا نطمئن إلى القول إنها ستكون شريكاً فاعلاً في التنمية.
لكن الصلاحي يهون من تأثيرات القرار بقوله إن الجمعيات التي سيلغى نشاطها إما جمعيات منشقة على نفسها أو مجمدة ولم تعد ترتيب أوضاعها بموجب القانون الجديد 2001 وكانت أعطيت مهلة للقيام بذلك بيد أنها لم تفعل، ما أوجد المبرر لإحالة ملفها إلى القضاء.
وبقدر ما هنالك مآخذ على المنظمات غير الحكومية فإن الحكومة اليمنية نفسها لم تقم بواجبها تجاه تلك المؤسسات. كما ينبغي وفي هذا الإطار يقول الصلاحي إن »الحكومة قصرت بدورها في التعريف بالقانون الجديد وهي تلعب دوراً سلبياً من خلال حرمان بعضها من الدعم واقتصارها على دعم منظمات محدودة وهنا تدخل الاعتبارات السياسية في العمل فضلاً عن ذلك هناك ازدواجية واضحة في التعاطي مع هذه المسألة.
ففي الوقت الذي تقدم الحكومة نمو المنظمات وتزايدها كدليل على حيوية التجربة الديمقراطية تهمل هذا القطاع وتتجاهله وعلى سبيل المثال الإحصائيات الحكومية والخطط المرسومة مثل الخطة الخماسية وغيرها لا تظهر فيها أي إشارة لمعطيات إحصائية حول حجم نشاط تلك الهيئات ومقدار مساهمتها في إطار الشراكة من أجل التنمية المستدامة ولا مقدار مساهمتها في الناتج المحلي.
يأتي هذا في الوقت الذي ما فتئت الحكومات اليمنية المتعاقبة ومنذ عشر سنوات تؤكد على الارتقاء بدور هيئات المجتمع المدني ما يعطي طابعاً مظهرياً للمسألة أكثر منه فاعلية ذات مردود على التنمية المستدامة التي أصبحت توجهاً كونياً في عصر العولمة.
يشار إلى أن إجمالي الدعم المالي الحكومي للمنظمات غير الحكومية بلغ 152.97 مليون ريال يمني (نحو 800 ألف دولار)، فيما قدرت مصادر حكومية حجم المساعدات الخارجية المقدمة لهيئات المجتمع المدني بأكثر من 76 مليون دولار ما يلقي بمزيد من علامات الاستفهام حول هذا القطاع الذي تتدخل فيه الحسابات السياسية إلى حد أوصلته إلى ما هو عليه من الضعف.
صنعاء ـ عبد الكريم سلام