دأب الشاب وائل الأشقر (27 عاماً) منذ نوفمبر 2004 على استهلال عمله كل صباح بزيارة ضريح الرئيس الراحل ياسر عرفات وتلاوة الفاتحة على روحه وفاء لذكراه ورعايته الأبوية.
وائل شاب ولدت مأساته مذ ولد وما زال يحمل وزرها الثقيل من دون توقف، وهي تحكي نكبة الشعب الفلسطيني برمته، وتستبطن سيرة الثورة المبللة بالدم والدموع منذ انطلاقها. الشاب وائل هو ابن لأسرة هجرت في العام 48 من قرية البصة قضاء عكا، التحق والده شاكر أبو الريش بحركة "فتح" إلى أن استشهد عام 1979 بيد أحد عملاء "الموساد" في الجنوب اللبناني.
وقال الأشقر إن الرئيس الراحل عرفات قد تبناه وأشقاءه الأطفال إثر استشهاد والده مع آلاف أيتام شهداء الثورة، الذين سموا بـ"أبناء الصمود".
واستعاد وائل قصة يتمه وتشريده وحرمانه من قول كلمة "أبي" و"أمي" فقال "حينما استشهد والدي كنت ابن أربعين يوماً وبعد شهور تعرض منزلنا في قرية بنت أم جبيل اللبنانية إلى قصف طائرة إسرائيلية قتلت شقيقتي وخلال اجتياح 82 أطلق جندي إسرائيلي النار على شقيقي ماجد الطفل أمام أنظار الوالدة فتم نقلي وإخوتي الناجين ماهر (ثلاث سنوات) وماجدة (خمس سنوات) إلى مدرسة خاصة في سوق الغرب جنوب بيروت، ولم تتمكن والدتي من رؤيتنا بعد ذلك، وظلت شقيقتي عايدة (ست سنوات) معها.
ونتيجة للحرب تم نقل الأطفال الأيتام إلى سوريا، فيما اصطحب الرئيس الراحل 80 طفلاً منهم إلى تونس بعد رحيل الثورة من بيروت، كان الرئيس حبيب بو رقيبة قد أعلن رعاية بلاده لهم، وفي تونس تبنى أبو عمار أولئك الأطفال. ولفت وائل إلى أن الرئيس عرفات، اهتم رغم مشاغله برعاية أبناء الصمود وزيارتهم كل أسبوع وفي المناسبات المختلفة فعاملهم معاملة الأب الحنون لافتاً إلى أنه حرص على زيارتهم فور عودته من كل سفر وبحوزته الهدايا والألعاب".
وأضاف "كان أبو عمار ينادينا: يا أولادي ونحن ندعوه »بابا« وقد أمر بتأسيس مدرسة خاصة لنا تعرف بمدرسة القدس، ولم ينس تقديم الجوائز لكل من يتفوق بدراسته".
واستطرد: "بالنسبة لي هو أب حقيقي وقائد علمنا الصبر والمثابرة والنضال وبوفاته شعرت باليتم للمرة الأولى، وبخاصة بعدما أضحينا نشعر بالفراغ من بعده". وتابع: "بعد رحيله انقلبت علينا الدنيا رأساً على عقب". وبعد أن وضعت الحرب أوزارها كانت الوالدة تواصل بحثها عن أولادها في لبنان وسوريا من دون جدوى، وكانت تتلقى إجابات بأن أولادها استشهدوا أو انتقلوا إلى سوريا أو تونس، فتكرست القطيعة بين الأم وفلذات أكبادها حتى لاح أمل اللقاء ولم شمل الأسرة المشردة عام 1990 بيد أنها سرعان ما تفرقت ثانية".
وروى وائل بكثير من التقدير والتبجيل للرئيس عرفات عنايته به وبإخوانه وأترابه من أبناء الصمود خلال سنوات طويلة، منوهاً إلى أنه كرس وقتاً مطولاً للهو معهم في أجواء أسرية دافئة. وفي العام 1990 كانت الوالدة تواصل البحث عن أطفالها رغم زواجها ثانية، حتى تمكنت من التوصل إليهم بمساعدة سيدة فلسطينية وفدت من تونس إلى لبنان، وتولت مهمة البحث عن الأطفال مجهولي المصير بدوافع إنسانية.
واكتشفت أنهم كانوا سجلوا في الوثائق بالاسم الحقيقي لوالدهم الشهيد (شاكر الأشقر) بدلاً من اسمه الحركي، الذي عرف به ما صعب التعرف عليهم. ولفت وائل على لسان السيدة التي عثرت عليه وأشقائه إلى أن والدته كانت تحلم بمعرفة مصيرهم كي تُهدئ من روع قلبها الملتاع بالفراق.
وأشار إلى أن منظمة التحرير وفرت لوائل وشقيقه ماهر السفر عام 90 من تونس إلى بيروت للقاء والدتهما التي انقطعا عنها. وأضاف: »بقينا داخل الطائرة حتى نزل جميع المسافرين فأخذنا نبحث عن أمنا فيما كان يحمل ماهر ابن الحادية عشرة وقتذاك صورة للوالدة كنا تسلمناها بواسطة السيدة الفلسطينية المقيمة في تونس من أجل تيسير مهمتها بالعثور علينا".
وروى وائل بقلب أدمته الغربة أن شقيقه ماهر كان ينظر متفحصاً في وجوه السيدات، ويحدق تارة أخرى في صورة أمنا لافتاً إلى أن والدته سألت شقيقه ماهر فور مقابلتها لهما في الرواق عما إذا كان هناك أطفال آخرون على متن الطائرة التونسية من خلفهما.
وأضاف: "أجبنا بالنفي، وفي هذه اللحظة تنبهت شقيقتي عايدة للصورة في يده فتعرفت علينا وهي تصرخ بتأثر فانقضت أمي علينا وحضنتنا بقوة لدقائق طويلة وهي تولول "يا حبايبي".. وكان ذاك اللقاء صدمة حقيقية وطيلة الطريق إلى بنت أم جبيل كانت تضمنا لصدرها فيما بللتنا دموعها السخية".
وكان ماهر ووائل قد غادرا والدتهما إلى تونس ثانية بعد أن مكثا مدة شهر ولم يتمكنا من اللقاء بها بسبب انتقالهما برفقة أبو عمار إلى غزة إثر توقيع اتفاقات أوسلو. وأشار وائل إلى أن شقيقه ماهر يشارف اليوم على إنهاء أطروحة الدكتوراه في الحاسوب في كندا، فيما أنهى هو الماجستير في العلوم السياسية في جامعة بير زيت على نفقة منظمة التحرير، أما شقيقته فتزوجت في غزة.
غزة ـ ماهر إبراهيم