شيء واحد على الأقل تغير في أروقة السلطة الفلسطينية منذ وفاة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات قبل عام هو الدهان, لكن الرئيس الحالي محمود عباس يجد صعوبة أكبر في الانفصال عن تركة عميقة من حكم عرفات ويحاول إحياء محادثات السلام مع إسرائيل لإقامة دولة مقارنة بإصلاح مقر المقاطعة الذي أمضى فيه الزعيم الراحل سنواته الأخيرة.
حقاً ان الانفراجة التي حدثت بالتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار سهل الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة المحتل. كما ساعد عباس الفلسطينيين على العودة إلى قلب الساحة الدبلوماسية. لكن لا تزال هناك حاجة لمزيد من العمل لحل المشاكل الداخلية التي تقوض السلطة الفلسطينية منها تصاعد انعدام الأمن والتحدي الذي تشكله الفصائل الفلسطينية والفقر المدقع ومناخ المكائد السائد بين أفراد الحرس القديم.
وقال رفيق الحسيني رئيس ديوان الرئاسة لوكالة »رويترز« »إذا لم ترتب بيتك فلا يمكنك أن تطلب من المجتمع الدولي أن يدعمك«. ومن ناحية أخرى لا يبدو أن إسرائيل في حالة أو وضع يسمح لها بخوض محادثات إقامة دولة فيما تتجه الآن نحو إجراء انتخابات مبكرة بعد انتخاب زعيم جديد لحزب العمل.
وتجنب عباس (70 عاماً) سقوط الأراضي في حالة فوضى خشي كثيرون حدوثها بعد وفاة عرفات الذي كان رمزا للكفاح من أجل إقامة دولة فلسطينية في نوفمبر من عام 2004.
واستطاع عباس المعروف على نطاق واسع بلقب أبو مازن بسرعة أن يحدث تغيرا في التوجه عندما ابرم هدنة مع إسرائيل في فبراير الماضي وحمل الفصائل على الموافقة على اتفاق للتهدئة مما ساعد إسرائيل على مغادرة قطاع غزة في هدوء وتأمين أرض اختبار لإقامة دولة فلسطينية عليها. وهنا تبدأ المسائل في التعقيد.
ففي الوقت الذي وافقت فيه الفصائل على »اتفاق للتهدئة« حتى نهاية العام إلا أنها رفضت تماما نزع سلاحها في إطار خطة »خارطة الطريق« للسلام التي تدعمها الولايات المتحدة وأحجم عباس عن الدخول في مواجهة معها خوفا من نشوب حرب أهلية. وتواصلت أعمال العنف المتفرقة مع إسرائيل.
ولم تنجح جهود عباس في الإطاحة بقادة أجهزة أمن اتهموا بالفساد أو عدم الكفاءة في إحداث التغيير الكامل. وينطبق هذا القول أيضاً على الجبهة السياسية فالحكومة التي تشكلت في عهد عرفات لا تزال تقريبا كما هي.
وقد تجيء لحظة الاختبار في الانتخابات التشريعية المقررة في يناير.
ويقول مساعدو الرئيس انه يأمل في استغلال هذا التصويت ليساعده في التخلص من الوجوه القديمة ودمج حركة المقاومة الإسلامية »حماس« في السلطة ومن ثم حملها على التخلي عن أسلحتها.
ويدفع هؤلاء بأن المجلس التشريعي الجديد سيمنح عباس شرعية أكبر وقاعدة أقوى من أجل الإصلاح.
ولكن هذا التحرك سيضع عباس أيضاً في مواجهة مع العديد من أعضاء حركته فتح الذين لا يريدون خسارة المميزات التي يتمتعون بها ويخشون أن حماس التي تخوض الانتخابات للمرة الأولى ستبلى بلاء حسنا فيما يسعى الناخبون لإيجاد بديل ليس موصوما بالفساد.
ويمكن لهؤلاء القلقين من الانتخابات أن يؤجلوها إذ أن التأجيلات الإدارية أمر شائع ويمكن أن تشكل أي أحداث عنف كبيرة عذراً سهلاً.
ويقول المحلل الفلسطيني علي الجرباوي »العلامة الفاصلة هي الانتخابات، الشيء الوحيد المهم هو ما إذا كانت الانتخابات ستجرى«.
وحتى مع حصول عباس على ما يريده فلا تزال أمامه خطوة كبيرة ليقطعها لإجراء محادثات مع إسرائيل بشأن إقامة الدولة التي يريدها الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة عاصمتها القدس الشرقية.
ويمكن لوصول حماس إلى موقع سياسي أكثر نفوذا أن يعرقل فرص التفاوض مع أي حكومة إسرائيلية.
كما لا يمكن توقع أي شيء ملموس قبل الانتخابات الإسرائيلية والتي يرجح إجراؤها مبكرة عن موعدها المقرر في نهاية العام المقبل.
ولا يبدو رئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون متعجلا لإجراء أي محادثات. وتعهد شارون بتعزيز المستوطنات الكبيرة وإكمال بناء الجدار العازل في الضفة الغربية التي تقول إسرائيل انه سيمنع دخول مفجرين انتحاريين إلى أراضيها.
ويرى الفلسطينيون في هذه الخطوة حرمانا لهم من إقامة دولة قابلة للحياة.
وفي حال فشل شارون في تأمين فوزه مرة اخرى في الانتخابات لا يوجد أي مؤشر على أن من يخلفه قد يسير على نهج يتقبله الفلسطينيون. (رويترز)