اتهم الرئيس السوري بشار الأسد في خطاب شديد اللهجة أمس لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري برفض كل الاقتراحات التي تقدمت بها دمشق لاستجواب المسؤولين الأمنيين السوريين الستة المشتبه بهم, معتبرا أن سوريا مستهدفة مهما فعلت, وأكد أن تعاون سوريا لا يعني أنها مستعدة للتضحية بأمنها واستقرارها, محذرا من أن أي ضرر يلحق بسوريا سيؤدي إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة.

وقال الأسد, وسط تصفيق حاد في جامعة دمشق, إنه »لن يكون الرئيس الذي يحني رأسه أو رأس شعبه لأي كان«, مضيفا أن »المنطقة الآن أمام خيارين إما المقاومة أو الفوضى«.

وكرر الرئيس السوري, الذي تطالب لجنة التحقيق الدولية بلاده باستجواب ستة مسؤولين سوريين, قوله إن سوريا غير متورطة في اغتيال الحريري »لا دولة ولا أفراد«. وقال إن »الايجابية الوحيدة لتقرير القاضي الألماني ديتليف ميليس أنه ثبت براءتنا« في إشارة إلى التقرير الذي رفعه ميليس في 20 أكتوبر الماضي إلى مجلس الأمن وأشار فيه إلى احتمال تورط مسؤولين أمنيين سوريين في الجريمة.

وأضاف: »قبل هذا التقرير قد يكون لدينا شك بأن خللا سوريا ما أدى إلى ذلك«، أي اغتيال الحريري. وأوضح أنه »بعد التقرير أصبحت براءة سوريا مثبتة. القضية لم تعد جنائية بل سياسية«.

وكشف أن القاضي ميليس رفض دعوة اللجنة القضائية السورية الخاصة لزيارة دمشق ووضع مذكرة تفاهم لتحديد آليات التعاون. وأوضح أن اللجنة رفضت كذلك عرض سوريا بأن يتم التحقيق مع المسؤولين الأمنيين السوريين في مقر الجامعة العربية في القاهرة أو »في أرض سورية ترفع علم الأمم المتحدة«.

وقال »اتصلت (أول من أمس) للتنسيق مع الرئيس (المصري حسني) مبارك ليتم التحقيق في الجامعة العربية لكن ميليس رفض«. وتساءل »لماذا لا يقبلون أي مكان آخر« غير لبنان. ورأى انه »مهما قلنا ومهما تعاونا سيكون الجواب بعد شهر أننا لم نتعاون«، مؤكدا انه »يجب أن نكون واقعيين سوريا مستهدفة«.

ورأى الرئيس السوري أن ذلك دليل على أن المطلوب هو »استهداف« سوريا, متوقعا أن يأتي تقييم ميليس المقبل لتعاون سوريا سلبيا. وقال: »ما لم يأخذوه بالضغط الخارجي لن يأخذوه بالضغط الداخلي«.

لكن الأسد أكد أن سوريا مستعدة للتعاون »بهدف الوصول إلى ملابسات جريمة« اغتيال الحريري لكنها »لن تسمح بأي إجراء يمس بأمن واستقرار سوريا«. وأضاف »ما زلنا ندعم الشرعية الدولية لكن ليس على حساب التزاماتنا الوطنية«. وتابع »سنسير معهم في لعبتهم الحالية, لكننا سنقف عند الحد الذي سيدفع الضرر عن سوريا«.

وشدد على أنه »لن يكون الرئيس الذي يحني رأسه أو رأس شعبه لأي كان«. وتابع إن »عصر الوصايات الذي كان سائدا في بداية القرن الماضي ولى«, مؤكدا أنه »إذا صمدنا منذ البداية سننتصر في النهاية ومهما طال الموضوع فسوف ننتصر«.

وحذر الأسد من انه »إذا حصل ضرر ما فلن يصيب سوريا فحسب بل بلدانا أخرى أيضا والعملاء الذين أتوا بالمستعمر« في إشارة على ما يبدو إلى العراق ولبنان. وأضاف »إذا كانوا يحاولون ابتزاز سوريا فنقول لهم العنوان خاطئ وتابع »أما إذا كانت القضية هي مساومات فليفاوضنا أمام شعبنا فنحن لا نملك شيئا نخاف منه«.

وأوضح أن سوريا تتعرض »لحملات في السنوات الأخيرة غاية في الخطورة« بسبب رفضها القاطع »للمساومة على المقاومة في لبنان والقضية الفلسطينية واستقلال العراق« التي لولاها لما كانت لسوريا مشكلات مع القوى الدولية الكبرى. وأضاف »العصر هو عصر الأقوياء فقط ولا مكان فيه للضعفاء«.

وأكد أن التحقيق الدولي في اغتيال الحريري له دوافع سياسية لشن حرب »على مراحل على سوريا«. وقال »إن ما يحدث الآن هو امتداد لما يحدث منذ سنوات.. ما يحدث الآن لا علاقة له باغتيال الحريري، وتساءل: لماذا لم يتحدث أحد عن لجنة تحقيق في اغتيال الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الذي سمم ومات في فرنسا«. وأضاف أن لبنان كان »ساحة مضطربة« أرادت القوى الكبرى »تصفية حساباتها مع سوريا من خلالها« حيث كان »البعض يعتقد أن خروج سوريا من لبنان يعني سقوط الدولة السورية«.

وشن هجوما حادا على إسرائيل وقال إن »العامل الإسرائيلي كان حاضراً حضوراً مريباً في كل الأحداث التي شهدتها المنطقة وإن تطورات الأحداث أثبتت إن إسرائيل كانت أبرز الفاعلين فيها وأكبر المستفيدين منها«. وأكد أن أي ضرر سيصيب سوريا سيصيب المنطقة كلها لأن سوريا »ما هي إلا حلقة في مسلسل سيصيب العرب«.

وحمل الرئيس السوري بشدة على قوى خارجية لم يسمها بسبب الحملة الشرسة التي تتعرض لها سوريا. وقال إن مشكلة البعض مع سوريا هي انتماؤها القومي العربي. وأضاف »إذا كانوا مهتمين بنا فليعيدوا لنا أرضنا ويمنعوا عنا العدوان«.

واعتبر الأسد أن العراق على شفا الانفجار, وقال »لا أحد يعلم متى سيحدث هذا الانفجار«. وحذر من أن تقسيم العراق سيضر بكل دول الجوار العراقي. مشيراً إلى أن عروبة العراق شأن عربي وإقليمي مثلما هي شأن عراقي وطالب بالوقوف إلى جانب الشعب العراقي للحفاظ على هويته العربية.

وأكد الأسد أن الخطر المحيط بالعراق هو الفوضى وما تسببه هذه الفوضى من سفك للدماء وتقسيم للبلاد. وأوضح أن العروبة مفهوم حضاري يستوعب كل الثقافات بشرط الرغبة المشتركة في العيش المشترك. وضرب مثالا بسوريا التي توجد بها طوائف عدة تعيش في سلام.

وأضاف الرئيس السوري أن الشعبين العراقي والسوري التقيا للمرة الأولى منذ فترة طويلة وذلك بعد سقوط بغداد حيث كان هذا اللقاء ممنوعا منذ استقلال البلدين. وأوضح أن هذا اللقاء كان سببا في اتهام سوريا بأعمال العنف في العراق.

وأكد الأسد رفض دمشق لكل العمليات الإرهابية في العراق مهما كان مسماها. وقال إن دم كل مواطن عراقي هو مثل دم كل سوري وعلينا أن نعمل للحفاظ على المواطن العراقي ودمه وشرفه وعرضه وماله.

وحول ضبط الحدود العراقية ـــ السورية, أكد صعوبة ضبط هذه الحدود, وقال إنه طالب وزير الخارجية الأميركية السابق كولن باول بالمساعدة التقنية في ذلك. وأشار إلى أن أميركا يصعب عليها ضبط حدودها مع المكسيك. وتساءل »فكيف يطالبوننا بضبط حدودنا«.

وأضاف أن سوريا من مصلحتها ضبط الحدود, وطالب الجانبين العراقي والأميركي بالمساعدة في ذلك. وأكد أن سوريا تسعى للتعاون مع الحكومة العراقية الحالية بالإضافة إلى إرسال وفد دبلوماسي لإعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين والتحضير لزيارة وزير الخارجية السوري. وذكر أن هذه الزيارة تم إفشالها رغم بقاء الوفد أسبوعا في بغداد.

ووجه الدعوة للرئيس العراقي جلال طالباني ورئيس الوزراء إبراهيم الجعفري لزيارة سوريا و تجاوز الخشية غير المبررة. وأكد انه لن يقف مع العراق سوى أشقائه وعلى رأسهم سوريا لينهض العراق ويأخذ مكانه الطبيعي في العالم.

وعن القضية الفلسطينية, قال الرئيس السوري ان بلاده قدمت الدعم للرئيس محمود عباس أثناء زيارته لسوريا. وأكد أن موقف سوريا لا يزال هو دعم كفاح الشعب الفلسطيني.

وكشف أن سلاح المقاومة اللبنانية سبب أرقا كبيرا للقوى الخارجية وأوضح أن البعض طالب سوريا بالمساعدة في نزع سلاح المقاومة مقابل بعض المكاسب. كما عرض على دمشق البقاء في لبنان على أن تجد سوريا حلا مع حزب الله. وأضاف أن المشكلة في بقاء القوات السورية في لبنان لم تكن القرارات الدولية وإنما كانت الشعب اللبناني.

وأوضح أن اغتيال الحريري ساهم في وجود رغبة شعبية في لبنان ضد القوات السورية مما دفع دمشق إلى سحب قواتها من هناك مشيرا إلى أن دمشق سحبت قواتها قبل أكثر من شهر من الانتخابات البرلمانية اللبنانية، وقال إن الانتخابات اللبنانية لم تكن ذات هدف لبناني وإنما كانت ذات هدف دولي, واعتبر أن الانتخابات كانت بداية لنقل لبنان من عروبتها نحو التدويل ولمصلحة إسرائيل.

ووصف الأسد رئيس وزراء لبنان الراحل رفيق الحريري بأنه كان الابن

البار لما يسمى في لبنان بعهد الوصاية السورية. وقال إن بعض السياسيين اللبنانيين يزج بسوريا في حادث اغتيال الحريري رغم قناعتهم بعدم صحة ذلك. وأضاف أن هؤلاء المسؤولين سيواجهون مأزقا أمام الشعب اللبناني إذا ظهرت براءة سوريا.

وأضاف »لن نسمح لأحد بأن يفسد العلاقة بين سوريا ولبنان الدولتين الجارتين لأن هذا قدر سوريا ولبنان وأن ضعف إحدى الدولتين ضعف للأخرى وقوة أحداهما قوة للأخرى«.

وهاجم من سماهم أتباع القوى الخارجية في المنطقة قائلا إنهم أتباع يحركون عن بعد. وقال إن المخطط لاستهداف سوريا لم ينته بالقرار 1559 والقرار 1636 ولن ينتهي في 15 ديسمبر المقبل, مؤكدا أن القرار 1636 لا علاقة له بالتحقيق في اغتيال الحريري وأن ما يحدث الآن هو امتداد لما يحدث منذ سنوات.

وقال الأسد إن تقرير ميليس لم يقدم تفسيرا عن كيفية وصول المتفجرات التي استهدفت اغتيال الحريري إلى بيروت ومن أين أتت السيارة المستخدمة.وذكر أن الشيء الايجابي في هذا التقرير هو أنه أظهر براءة سوريا وعدم تورطها في هذه الجريمة.

دمشق ـــ »البيان« والوكالات: