لشخصين تنشأ بينهما علاقة وثيقة، لابد ان يكون للقاء الأول مكانة خاصة في الذاكرة. وغالباً ما يكون مثل هذا اللقاء، بما يخلفه من انطباعات، منطلقاً لما يبنى عليه. وهذا ما كان بين أحمد عبد الرحمن والرئيس الراحل ياسر عرفات الذي عمل إلى جانبه، إعلامياً، ثم مستشاراً سياسياً، لفترة طويلة من الزمن، خبر فيها الرجل قائده عن قرب، واغتنت ذاكرته بالصور والأحداث والأفكار والدروس التي جسدها هذا القائد في كل موقف، وكل خطوة خطاها نحو فلسطين الوطن والحلم.
في اللقاء الأول بين أحمد عبد الرحمن الطالب في جامعة دمشق وأبو عمار في مقر قيادته المسمى مكتب 23 في دمشق في العام 67، وهو أول مكتب لحركة »فتح« في سوريا، تقع عينا عبد الرحمن على قائد استثنائي: »قائد مثير للاهتمام، إنسان لا يتوقف عن الحركة، فهو إن جلس تشعر أنه يتحرك، وإن تحرك تشعر أنه يطير«.
كان أحمد عبد الرحمن في الممر المفضي إلى المكتب في ذلك اليوم، وهناك تعرف للمرة الأولى على القائد أبو عمار. :»وجدت إنساناً له حضور طاغ. كل شخص يشعر بهذا الحضور. إنسان لا يملك أحد أن يتجاهله. إنسان لا يترك فرصة لأحد أن يعده واحداً من الموجودين بل كل الموجودين«.
في ذلك اليوم تلقى عبد الرحمن رزمة من الدروس من أبو عمار. سمع منه، وهو الإعلامي كاتب البلاغات العسكرية الصادرة عن قوات العاصفة درساً في نشر المعلومات. فعندما اشتكى شخص ما صعوبة إيصال البلاغات إلى الصحف خاطبه أبو عمار، وكان لديه سيارة فولكس فاغن صغيرة، قائلاً: أنا أوزع البلاغات على الصحف واحدة واحدة في مغلفات يكتب على كل منها اسم الصحيفة الموجه إليها البلاغ«.
التوازن النفسي
في ذلك العام، عام هزيمة حزيران، كان للنشاط الوطني الفلسطيني فعل التوازن، كما يصفه عبد الرحمن، حيث كان الانضمام للثورة الفلسطينية يعني أنك مع قوة تقف في وجه الهزيمة، هزيمة عبد الناصر الذي كان يمثل سنداً معنوياً ومادياً كبيراً.
ويأتي اللقاء الثاني بأبي عمار في قرية الكرامة في الغور الأردني، وكان عبد الرحمن قادماً من سوريا في سيارة للجيش العراقي لتجنب النقاط الأردنية، حاملاً معه البلاغات العسكرية التي تمرس في كتابتها. يصف عبد الرحمن موقع القيادة الفلسطينية في تلك القرية الغورية قائلاً : وجدت أبو عمار في مقر القيادة، وهو عبارة عن غرفة من طين، يحيط بها حوش طيني.
رأيت في الغرفة طاولة وكرسياً، وشباباً يتحركون مثل خلية النحل.كان فوق الغرفة يرفرف علم فلسطين. وهناك لفت نظر الرئيس أكثر من المرة السابقة. كنت وصلت قبل المعركة بثلاثة أيام، وكانت الحشود العسكرية قبالة القرية ظاهرة غير مخفية. وقد حملني أبو عمار رسالة إلى فاروق القدومي في دمشق طالبه فيها بـ»إثارة الدنيا على العدوان الإسرائيلي الوشيك«.
الحاجة للمواجهة
وجد عبد الرحمن الخريج الجامعي حديث العهد قائد الثورة الصاعدة مصمماً على المواجهة والصمود رغم ما ينطوي عليه ذلك من مغامرة، وكان منطقه في ذلك حاجة الأمة لحالة مواجهة وصمود بعد الهزيمة المدوية. وقد اختلف في ذلك مع منطق حرب العصابات الذي قامت عليه الثورة الفلسطينية وهو »أضرب وأهرب«.
وهذا ما كان. فبعد الصمود الذي سطرته المقاومة في معركة الكرامة حدث التحول، وأصبح الشعب كله مع الثورة. وبات الناس الذين كانوا يمزقون البلاغات العسكرية التي يجدونها ملصقة على أبواب محالهم يحافظون عليها ويعتدون بها«.
»في تلك الفترة كان عرفات يعمل على انبعاث الشعب الفلسطيني، كان يعمل على تحرير فلسطين مدفوعاً بقوة المثال الجزائري. كان همه خلق القوة الفلسطينية التي سيكون لها الدور الأساسي في التحرير. وجاءت معركة الكرامة لتكون نقطة التحول في ذلك«.
يتذكر عبدالرحمن نقاشات جرت بين ابو عمار ورفاقه حول المواجهة، وكيف بدا متمسكاً بالمواجهة مردداً عبارة يرى فيها الكثير من الحكمة وهي »رصاص العدو يحيني ورصاص الأخوة يميتني« مشيراً إلى أنه وعي قيمة هذه العبارة وهو يشاهد الطوابير من المنضمين للثورة بعد صمودها ونصرها في معركة الكرامة.
ويقتبس عن الرئيس مقولته الشهيرة »الثورة زائد واحد وليس ناقص واحد« وذلك في إشارة إلى رغبته بإشراك جميع الفلسطينيين بأحزابهم وقواهم وطوائفهم في المسيرة الوطنية. ويشير في هذا الصدد إلى تمتع الرئيس بدرجة تسامح قل مثيلها:»فهو لم يحاكم أي شخص على خطأ ارتكبه سوى في حال الخيانة« قال عبد الرحمن. وأضاف: »عندما كان أحد يشكو آخر عن خطأ عمله كان أبو عمار يمسح قميصه قائلاً: أمسحوها في هذه المرة«.
المال والحكم:
وعن الانتقادات التي كانت توجه إلى الرئيس عرفات باستخدام المال في تعزيز سلطته قال عبد الرحمن: هذا فيه ظلم كبير للرئيس في حياته والآن علينا إنصافه وهو في دار الآخرة. لم يكن المال يعني للرئيس أكثر من تسيير أمور الثورة و المنظمة والبلد.
وقد درج الرئيس على طريقه في التعامل مع الناس منذ بداية الثورة, حيث لم يكن ممكناً استخدام نظام المحاسبة المتطور, تقوم على الأمانة. فقد كان يأتي شخص ما بمشروع على الرئيس ويقول :هذا تكلفته 50 ألف دولار، فيقول الرئيس: هذا كثير لنقل 30 ألفاً، وبعد موافقته يقول على بركة الله, وهنا يصبح الأمر أمانة في عنق الشخص وليس في عنق الرئيس الذي يفترض أن الأمانة هي ما يحكم علاقته بالناس.
وهنا يستذكر عبد الرحمن درجة التقشف التي عاشها الرئيس طيلة حياته. ويقول: كلنا يذكر الجاكيت المتهرىء الذي كان يلبسه الرئيس. كان يجلس هنا، وأشار إلى مقعد في مكتبه، وأرى الاهتراء باديا على كم جاكيته.
حصار لم ينل من عزيمته
ورغم خضوع الرئيس عرفات لحصار طويل في مقر المقاطعة دام نحو ثلاث سنوات إلا أن ذلك لم ينل من عزيمته. ويقول أحمد عبد الرحمن الذي كان يمضي الكثير من الوقت متحدثاً مع الرئيس. كان الرئيس عرفات يأتي إلى مكتبي ويجلس على هذا الكرسي بجوار النافذة أمام الشمس، وكنا نتحدث طويلاً.
كان كله ثقة بأن شعبنا سينتصر ويحصل على حقوقه. لقد حاولوا كسر إرادته لكنهم فشلوا لذا لجأوا باعتقادي إلى عملية دنيئة وقاموا بتصفيته لفشلهم في كسر إرادته.
وعن ثغرات في أمن الرئيس قد تكون قادت إلى اغتياله كما يرى البعض يقول عبد الرحمن: باب الرئيس كان على الدوام مفتوحاً للناس لأنه مؤمن أن ضرراً لن يصيبه من أبناء شعبه. وفي ذات الوقت كان مستعداً دائماً للتصدي لأي عدوان إسرائيلي.
كان لا ينام إلا وسلاحه إلى جانبه. وفي أحد المرات سحب سلاحه وخرج إلى قوات الاحتلال التي كانت تهدم مقره لكن مرافقيه منعوه من الخروج. كان ينام في غرفة غير صحية. عمد إلى تحصين شبابيك المكاتب. كان يطلب مني أثناء الليل أن أطفئ الأنوار لأسباب أمنية. كان محتاطاً وهو متميز بوجود حس عال للخطر.
كتب محمد إبراهيم:

