بدأ الرئيس السوري بشار الأسد في خطابه »التاريخي« الذي ألقاه في جامعة دمشق أمس وكأنه يعد شعبه للمواجهة بعد صدور التقرير النهائي للجنة التحقيق الدولية في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري الشهر المقبل، حيث توقع أن تدان فيه سوريا بعدم التعاون، لأن المسألة برمتها مخطط مرسوم ولا علاقة لها بجريمة الاغتيال.
وكان لافتاً تأكيد الأسد على أن الخيارات المطروحة على سوريا هي إما أن تقوم بقتل نفسها بيدها أو أن تستسلم للقتل، مبتدئاً بنفسه وأنه لن يحني رأسه للضغوط. وهي إشارة إلى أن النظام السوري يدرك المصير المرسوم والمعد له سلفاً ولذلك فخيار المقاومة والمواجهة أفضل له من خيار الاستسلام لأن النتيجة واحدة تؤدي إلى استهداف سوريا كونها نظاماً قومياً عربياً.
وشرح الرئيس السوري وجهة نظره عندما استشهد بالموضوع العراقي الذي أكد من خلاله على أن ذرائع ابتزاز بلاده نشأت حتى ما قبل الغزو بزعم تسلل »الجهاديين«، ثم في الآونة الأخيرة تسلل ودعم البعثيين.
ورغم تأكيده على التعاون الكامل مع لجنة ميليس، سحباً للذرائع، إلا أنه أشار بشكل واضح وجلي إلى أن نتيجة التحقيقات محسومة سلفاً ومعدة حتى قبل جريمة اغتيال الحريري!، منطلقاً من حقيقة أن التحقيق مسيس وأن نيات ميليس ليست سليمة حيال سوريا، ولذلك فقد رسم حدوداً لهذا التعاون تتعلق بالسيادة الوطنية من دون أن يوضح ما هي أبعاد هذه السيادة وماذا تعني على صعيد تسليم المتهمين، رغم أن التلميحات كانت واضحة بشأن رفض سوريا لاستجوابهم في بيروت وطرح فكرة استجوابهم في القاهرة تحت مظلة جامعة الدول العربية.
ويبدو أن رهانات الرئيس السوري في المرحلة المقبلة تقوم على الالتفاف الشعبي الداخلي والفرز بين العملاء والوطنيين في لبنان، وخيار المواجهة الذي سيكلف الأعداء كلفة لا يتوقعونها حسب حساباته التي لمح إليها في خطابه.
وفي أوضح نقد لمناوئي سوريا في لبنان شن الأسد هجوماً على »كتلة المستقبل« متهماً إياها بالمتاجرة بدم الحريري. ووصل نقده لرئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة إلى مرحلة غير مسبوقة عندما وصفه بالعبد المأمور لعبد مأمور، في إشارة واضحة إلى رئيس كتلة المستقبل النائب سعد الحريري.
ولم يكتف الأسد بانتقاد »كتلة المستقبل« بل وصل الأمر به إلى توجيه تحذير صريح لمن سماهم بالعملاء الذين كانوا يرتبطون مع إسرائيل بعلاقات أيام اجتياح عام 1982 والذين كانوا وراء تدويل لبنان في الوقت الحاضر والذين يملكون قوة برلمانية وحكومية لا يستهان بها الآن.
ويشكل هذا قطيعة سورية كاملة مع هذا التيار، بشكل فاق ما كان يكتب في الصحافة أو ما كانت تصرح به المصادر المطلعة. وإن دل هذا على شيء، فإنما يدل على أن النظام السوري وصل إلى مرحلة الحسم في معركة البقاء إذ لا مكان لأنصاف الحلول.
خطاب الأسد أتى مخالفاً لكل التوقعات التي تحدثت عن خيارات صعبة سيقدم عليها، وإعداداً للرأي العام لتسليم المسؤولين السوريين المتهمين وتبريراً لخطوات التراجع المتوقعة أمام الضغط الدولي، غير أن الرئيس السوري قرر اعتماد خيار المواجهة الذي سنشهد تداعياته على الساحتين الداخلية عبر تشديد القبضة على المعارضين الذين اتهمهم بتنفيذ أجندة خارجية، والساحة الخارجية التي ستشهد مزيداً من الضغوط والحصار لسوريا لأن موضوع السيادة وعدم احناء الهامة يفصحان أكثر مما يبطنان.
دمشق ــ تيسير أحمد: