قال أبو جرة سلطاني رئيس حركة مجتمع السلم في الجزائر ووزير الدولة في حكومة أحمد أويحيى إن الجزائر تعيش الربع ساعة الأخير من أزمتها وهي على طريق الخروج نهائيا من النفق، لكنه حذر من استمرار جيوب الاضطراب بسبب انتشار الفقر والإحساس بالغبن والتهميش من أوساط شعبية ترى أنها مقصاة من الانتفاع بالثروة الوطنية. واعتبر ميثاق السلم والمصالحة الذي تبناه الجزائريون في استفتاء عام يوم 29 سبتمبر الماضي خطوة مهمة في سبيل اجتثاث تداعيات مرحلة عنيفة وخطيرة دامت قرابة 15 عاماً.
وأكد سلطاني في حوار مع »البيان« في مكتبه في العاصمة الجزائر أن علي بلحاج القيادي في جبهة الإنقاذ أعيد ظلماً إلى السجن وأن مسؤولية الأزمة التي مرت بها البلاد ولا تزال آثارها قائمة تشترك فيها السلطة وجبهة الإنقاذ على السواء. وأكد أن إقصاء قيادة جبهة الإنقاذ نهائيا من العمل السياسي يتناقض ومسار الديمقراطية، ودعا إلى ما سماه »فترة نقاهة سياسية« يسمح بعدها بالنشاط السياسي للجميع دون استثناء.
وعن موضوع ميثاق السلم والمصالحة وما رافقه من انتقادات داخلية وخارجية من باب »إن العفو عن المجرمين لا ينشر ثقافة السلم بقدر ما يكرس الجريمة والإفلات من العقاب« وهو موقف الأوساط المعارضة في الجزائر والمنظمات الحقوقية الدولية قال »إذا كان لابد أن أعلق على تلك الانتقادات، أقول إنها في غير محلها ولا تتصل بحقائق الجزائر وبحاجاتها لتوفير جو الأمان... نحن عانينا لخمس عشرة سنة من العنف ومن المجازر والاغتيالات والتفجيرات والتخريب بعشرات الملايين من الدولارات...
نحن ندرك أن الجزائر تضررت كثيراً وأن عليها أن تتجاوز جراحها. وندرك أيضاً أن ليس لنا حل إلا هذا، لان الحلول كلها جربت خلال 15 سنة من الاقتتال ووجدنا أنفسنا في طريق شبه مسدود، وآن الأوان أن يدرك الناس أن نتوقف عند حدود 100 أو 150 ألف قتيل خير من أن يكون ذلك بعد 200 ألف قتيل أو بعد 10 سنوات بمليون ونصف مليون قتيل فكلما تعصب بعضنا على بعض وتمسك كل طرف بحرفية ما يريد كلما ازدادت الدماء تدفقا والأرواح سقوطا والبنية التحتية تهديما.
ونجد أن الفاتورة تثقل يوما بعد يوم، واليوم مادمنا نستطيع أن نسدد هذه الفاتورة فلماذا نتركها حتى تزداد ثقلا ونعجز عن تسديدها، سواء على المستوى الاقتصادي والاجتماعي ولا نتحدث عن المستوى البشري لان النفس عندما تسقط لا يمكن تعويضها«.
وأضاف »الميثاق مرحلة مهمة جدا من مراحل الشفاء مما أصاب البلاد وتجاوز محنتها. لقد كان »قانون الرحمة« في منتصف التسعينات بداية ومكّن من عودة عدد ممن التحقوا بالجماعات المسلحة وقتها. ثم جاء »الوئام المدني« في سبتمبر 1999 بمثابة الحقنة الثانية وحقق نتائج ميدانية واندمج بموجبه عدد ممن كانوا قد حملوا السلاح في المجتمع، وكان مكملا للقانون الأول.
و»ميثاق السلم والمصالحة« هو مرحلة جديدة أو قل إنه الحقنة الثالثة لعلاج وضع البلاد. نحن لا ننتظر تحقيق النتيجة بين عشية وضحاها لكن الأكيد أن الميثاق يدفع الجزائر إلى تجاوز الكثير من التعقيدات الناتجة عن المحنة على الصعد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والسلوكية. نحن نؤمن بأن هذا هو الطريق القويم ونهاية الأزمة ستؤول إليه«.
وعن موقف ومسؤولية الجبهة الإسلامية للإنقاذ من الميثاق باعتبارها الطرف المعني بالمصالحة أكد أبو جرة »نحن في حركة مجتمع السلم نرفض أن يحمل طرف واحد المسؤولية، والقول بأن الجبهة وحدها مسؤولة عن كل ما حدث موقف غير مقبول. والعكس كذلك، فليس كل ما حدث أيضا سببه السلطة من خلال مصادرة المسار الانتخابي. يجب الإقرار بأن الأزمة متعددة الأطراف وشاركت فيها جهات عديدة بأقساط متفاوتة.
قد تتحمل بعض الجهات نسبا عالية ولكن هذا لا ينفي أن تتحمل جهات أحرى جزءاً منها. فإذا قلنا هذا نقول أيضا إن إقصاء تيار أو توجه معين من اللعبة السياسية تماما على المدى الطويل أمر غير مقبول. يمكن أن نتصور هذا الإقصاء مربوط بزمن معين أسميه أنا »فترة نقاهة سياسية« يمكن أن تمتد إلى سنة 2009 لكن في كل الأحوال لا بد أن يمكن هؤلاء من حقوقهم الدستورية وينص الدستور صراحة على أن كل مواطن له الحق في أن يناضل سياسياً ونقابياً.
فالمنع هو منع مؤقت من أجل أن تطمئن النفوس وتتصالح القلوب والنيات وهذا أمر يتقبله الجميع. لكن إذا كان هؤلاء الذين حملوا مسؤولية ما حدث في الجزائر تتم معاقبتهم بأن يقصوا كلية وعلى المدى الطويل من حقهم السياسي ومن حقهم القانوني فهذا أمر لا تقره القوانين والدساتير من جهة ومن جهة أخرى أمر لا يخدم المصالحة الوطنية. كنا نتمناها أن تكون شاملة وعامة وأن ينال كل ذي حق حقه في دولة قانون يكون فيها الجزاء من جنس العمل«.
وردا على سؤال عن إعادة سجن علي بلحاج قال أبو جرة »وفى الرجل ما عليه ارتكب خطأ سياسياً حكم عليه 12 سنة قضاها باليوم ولم يستفد من العفو ولو ليوم واحد، ومع هذا فقد خرج وعلى كاهله 10 ممنوعات، وكنا ننصحه ونقول إن الزمان قد تغير وان الاهتمام بالقانون والدستور يمكن أن يوصل إلى بر الأمان.
لكن الذي حدث مع قناة من القنوات الفضائية وأنا كنت أتابع باهتمام، حدث ظلم في حقه لأن القناة لم تعطه فرصة ليوضح ما يريد، ولما قطعته في منتصف كلامه جعلته كمن يقول »ويل للمصلين« ويقطع كلامه يعتبر ضد الصلاة ولكن لو ترك ليكمل »الذين هم عن صلاتهم ساهون« فالكلام يفهم في السياق، فانا أناضل من اجل أن ينال حريته كاملة. الرجل مظلوم وفى ما عليه، دخل في لعبة سياسية وإعلامية غير مقبولة، فانا أناضل وكذا الحركة من اجل أن يحصل كل جزائري على حقه كاملا ولا يبقى أمامه إلا الاحتكام للقضاء الذي يدينه بأدلة واضحة أو يبرئه بأدلة واضحة كذلك.
فنحن نسعى مع كل من لهم أزمة الحكم في الجزائر لنقنعهم بأن القبض على هذا الرجل أمر غير مستساغ فإعادته إلى السجن أمر غير مقبول وفيه ظلم، وإذا كانت السلطة الجزائرية بصدد أن تسقط الأحكام القضائية على من قتلوا أو تسببوا في القتل وان تعفو عفوا كاملا على من قتلوا وان تفتح الأبواب ليعود أبناء الجزائر من الخارج فمن باب أولى أن تبرأ ساحة رجل دخل السجن عام1991 قبل أن تندلع الأحداث المأساوية التي عصفت بالبلاد وخرج بعد أن تعافت«.
حاوره في الجزائر ـ مراد الطرابلسي:
