مر كلام الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في إفطار »المقاومة الإسلامية« السنوي مرور الكرام ربما سيكون لزاماً على كثيرين، في لبنان وخارجه، انتظار خطاب »يوم القدس العالمي«، اليوم الجمعة من أجل تعويض ما فاتهم والحصول على »إضافات نوعية« جديدة.
في كل الأحوال »مرور الكرام« لم يكن ذنب أهل السياسة والإعلام، إنما الحق على ديتليف ميليس رئيس لجنة التحقيق الدولية المستقلة في جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق الشهيد رفيق الحريري، فقد اختار تقديم تقريره إلى مجلس الأمن الدولي، بعد ساعات قليلة جداً من خطاب نصر الله في إفطار »المقاومة الإسلامية«.
من تابع سياق كلام نصر الله الأخير، يدرك الفارق الكبير، أو التحول النوعي، بين خطابين قريبين: خطاب التحرير في مايو 2005 في مدينة بنت جبيل، في الذكرى الخامسة لتحرير الجنوب اللبناني من الاحتلال الإسرائيلي، عندما هدد نصر الله بقطع اليد التي تمتد إلى المقاومة، وذلك في رسالة سياسية موجهة إلى دعاة نزع سلاح الحزب بالتناغم مع مندرجات القرار الدولي الرقم 1559.
أما خطاب رمضان 2005، فقد تميز بقيام نصر الله، وللمرة الأولى، بفتح الأبواب أمام التفكير بصوت عال في موضوع سلاح المقاومة ولكن وفق مجموعة أسس وقواعد تم عرضها وفق منهجية بدا أنها درست بعناية شديدة.
أما خطاب مهرجان »يوم القدس العالمي«، أوالذي سيأتي تتويجاً لعرض عسكري من دون سلاح، وتوقع ان يكون الأضخم، في تاريخ كل العروض التي أجراها الحزب منذ العام 1985 حتى الآن،
حشداً بشرياً وحزبياً (بثياب مرقطة هذه المرة)، يكون إيقاعه مستنداً بدرجة عالية إلى مضامين تقرير لارسن، أي نوعاً من رد الفعل عليه، مع التوقف هذه المرة جدياً عند القراءة التي أجرتها قيادة حزب الله لتقرير ميليس وثمة ملاحظات كثيرة للحزب عليه كونه لم يأت بالحقيقة التي طال انتظارها.
يقول قياديون في حزب الله ان الخطاب الأخير هو ثمرة جلسات مطولة من الحوار الداخلي وكذلك مع آخرين من الأصدقاء والحلفاء في »تيار المستقبل« و»الحزب التقدمي الاشتراكي« وعدد من أركان »لقاء قرنة شهوان« السابق وبعض رموز المعارضة،
ولعلها أول محاولة جدية لوضع آلية للحوار مرفقة بجدول أعمال أولي، بعدما صار البعض متيقناً أن بعض الرموز اللبنانية، بادرت إلى تقديم عروض مجانية لجهات خارجية، وتحديداً إلى تيري رود لارسن، وبخاصة في ملف الوجود الفلسطيني المسلح في مخيمات لبنان وكأنها لم تتعظ من عبر ودروس المرحلة السابقة.
يذكر أن حزب الله وبعض الأوساط الرسمية اللبنانية عبرت عن كبير انزعاجها من قيام لارسن بتسليم مسودة عن تقريره الدولي إلى نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي شمعون بيريس باللغة العبرية فضلاً عن تسريب نسختين انجليزية وعبرية إلى الصحافة الإسرائيلية التي نشرت مقاطع محددة من التقرير الدولي، وهو ما يعني الانتقال إلى مستوى جديد من الضغط السياسي والنفسي على حزب الله وسوريا والفلسطينيين.
نصر الله بدا في خطاب المقاومة الأخير، يتوجه إلى الداخل والخارج في آن معاً، لكن الأرجحية اللبنانية كانت طاغية على ما عداها وهنا تكمن أهمية الموضوع. بينما يمكن ان يحصل العكس في خطاب »القدس العالمي«، واستناداً إلى هذا وذاك، يمكن التوقف عند النقاط الآتية:
أولاً: يقر حزب الله أن القرار 1559 الذي ينص على نزع سلاحه وسلاح المخيمات وكل الميليشيات غير الشرعية على الأراضي اللبنانية، صار أمراً واقعاً في علم القانون الدولي، وكذلك في إطار الوقائع السياسية، وإذا قرر طرف ما تجاهله لبعض الوقت إلا أنه ليس في وارد إزاحته عن الطاولة،
ومن هنا، أمكن القول للمرة الأولى، أن حزب الله، كما لبنان، ليس في وارد اعتماد خيار الصدام والتحدي مع المجتمع الدولي وفي الوقت نفسه، ليس في وارد القبول بمنطق الخضوع، وهذا يعني اعتماد خيار ثالث بين الاثنين.
ثانياً: إن إبداء الاستعداد للحوار حول موضوع سلاح المقاومة، أمر ممكن لا بل مطلوب أكثر من أي وقت مضى، لكن يجب ان نحدد قواعد أساسية له، بعدها نبحث عن الآليات، إن القاعدة الأساسية تكمن في الإجابة عن السؤالين الآتيين: هل إسرائيل دولة عدوة أم جارة؟ إذا كانت عدوة (وطبعاً ليس وارداً في قاموس الحزب أن تكون غير ذلك)، فإن السؤال التالي، هل لبنان في دائرة التهديد الإسرائيلي أم لا؟
ثالثاً: قبل الخوض في الحوار، هل هناك خلاف بين اللبنانيين على لبنانية مزارع شبعا التي تحتلها إسرائيل منذ العام 1967، وإذا كان البعض يشك في ذلك، هل نقوم بترسيم الحدود مع سوريا في ظل واقع الاحتلال أم بعد تحريرها من الاحتلال؟ وهل هناك صيغة ثالثة قابلة للبحث وما هو دور المقاومة في هذه الحالة؟
والأمر ينطبق نفسه على قضية الأسرى والمفقودين اللبنانيين في السجون الإسرائيلية، هل نوقف المقاومة قبل الإفراج عن الأسرى وما هي الضمانات بأن نحصل على حقوقنا الوطنية سواء في الأرض أو الناس أو المياه إذا تخلينا عن سلاح المقاومة؟
رابعاً: إن حزب الله منفتح على الدعوات إلى نزع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، وهو عملياً بيد تنظيم واحد، أي »الجبهة الشعبية ـــ القيادة العامة« بزعامة أحمد جبريل، لكن المحظور حالياً هو الدخول في نقاش »أبعد من تنظيم وضبط السلاح الفلسطيني في المخيمات الفلسطينية، وكل ما عدا ذلك، يعتبر تآمراً على المقاومة وتمهيداً لنزع سلاحها«.
خامساً: لابد من ترسيم حدود واضح بين القرارين 1595 و1559، فإذا كان الأول متصلاً بالحقيقة التي يريد اللبنانيون التوصل إليها من أجل معرفة من قتل رفيق الحريري، فإن الثاني يمس دور وموقع شريحة لبنانية، تعتقد ان اتفاق الطائف، عندما حسم موقع لبنان وشراكته في إطار الصراع العربي ـــ الإسرائيلي، فإنه قد وفر على اللبنانيين، القفز فوق أسئلة كثيرة،
وبالتالي، فإن الموقف من الصراع مع إسرائيل، عدا عن عناوينه المباشرة، المتصلة بـ »المزارع« والأسرى، فإنه يتصل بعناوين أبعد من ذلك، »تفترض فتح حوار جدي بين اللبنانيين، ليس على طريقة بعض أصدقاء لارسن اللبنانيين ممن احتفلوا بقوله ان ذرائع ومبررات المقاومة في لبنان قد انتفت، بل على طريقة رفيق الحريري نفسه، الذي قال لنصر الله أنه »لن يسمح لأحد بأن يمس سلاح الحزب«.
من هنا، يضيف القيادي في حزب الله، خطر ان يسعى البعض إلى تحويل لبنان من خلال القرار 1595 أو القرار 1559 إلى منصة لاستهداف سوريا والتبشير بتغيير نظامها، الأمر الذي قد يجر الويلات على لبنان.
بيروت ـــ ريان الأيوبي