يوم أمس الجمعة كان تاريخ صدور التقرير «الميليسي» المنتظر منذ ما يزيد عن 250 يوماً... تاريخ الحادثة التي أودت بحياة رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري...

كيف وجد اللبنانيون المنتظرون «كلمة ميليس الفصل»، هل كانت نتيجتها مفاجئة أو متوقعة؟ كيف تفاعل الشارع مع ما ورد في كتابات القاضي الألماني، وماذا بعد، هل سيكون هناك تداعيات أمنية أم أن الأمر سينتهي هكذا أم أنه بدأ الآن.

تساؤلات طرحتها «البيان» على عدد من اللبنانيين فمنهم من اعتبر بأن الحقيقة كانت معروفة وجاء ميليس ليؤكدها وهي الفئة الغالبة، ومنهم من شكك بالتقرير مشيرا إلى أن جزءا منه يخدم أطرافا تريد النيل من القومية العربية، وتريد قيام عراق آخر لتحقيق أهدافها الاستراتيجية في المنطقة.

مهما تفاوتت وتباينت ردود أفعال اللبنانيين بين مختلف الطوائف والمناطق، اللافت كان الهدوء الحذر والترقب المصحوب بدهشة كانت متوقعة، أعادت اللبنانيين إلى يوم مقتل الحريري.

تقرير متوقع

«حتى الطفل الصغير كان على دراية بنتائج التقرير، الشعب اللبناني شعب واع ومثقف، يدرك ما الذي يحصل من حوله ومن الذي يخطط، يقرر وينفذ الأمور على طريقته في هذه الدولة، الزمرة التي تحكم البلد .

والتي كان زعماؤنا يعودون إليها في كل كبيرة وصغيرة، أوقفوهم الآن هذا صحيح، ولكن أذيالهم ما زالت منتشرة في كل مكان وما التفجيرات المتلاحقة إلا دليل واضح على ذلك، نتمنى أن يكون القضاء اللبناني قادراً على كشف كافة خلاياهم حتى نخرج من هذه المتاهات المتلاحقة التي نعيش فيها».

انه رأي أستاذ مدرسة فضّل عدم الكشف عن اسمه وذلك «لأن لا أحد يستطيع أن يضمن مصيره في هذا البلد».

هذا التسليم بصحة نتائج التقرير أبداه أيضا حسن طقوش «منذ اليوم الأول للاغتيال وجّه الشعب اللبناني بأكمله وبتنوع فئاته وأطيافه أصابع الاتهام نحو الأجهزة الأمنية اللبنانية والسورية.

إلا أن بعض اللبنانيين أراد أن يعطي للموضوع أبعاداً دولية، ولكن الحقائق التي تتكشف يوما بعد يوم، تظهر من هو المسؤول الأول والوحيد عن هذه الجريمة التي أودت بحياة أب الفقراء والمحتاجين في لبنان، لقد اغتالوا منقذنا الذي أعاد ثقة العالم بأكمله بالاقتصاد اللبناني.

وذلك حتى يبسطوا يدهم من جديد على لبنان، لم يعرفوا أن استشهاد هذا الهرم لن يمر مرور الكرام وان نهاية حقبتهم الظالمة والمستبدة ستكون على يد الحريري ولو بعد مماته».

أما إيهاب الحركة والذي أقر بأن للأجهزة الأمنية يدا في هذه الأحداث، اعتبر أن «التقرير لم يكشف شيئا جديدا ولم يقدم دليلا ملموسا يدين الموقوفين فالقضاء لا يستطيع الاستناد إلى أقوال الشهود فقط، يريد أدلة مادية واضحة وهذا ما لم يظهره التقرير وما الدعوى إلى التمديد لمهمة ميليس إلا دليل على غياب الدليل الأكيد»®.

ويضيف الحركة «إن أي تحرك سياسي نحو إقالة «الرؤوس الكبيرة» لن يتم إلا مع توفر هذا الدليل لأن أطرافاً لبنانية عديدة أمثال حزب الله وحركة أمل لن يتقبلوا فكرة قلب نظام الحكم القائم من دون التأكيدات التي لم يقدمها ميليس».

تشكيك

وفي ظل هذا الاقتناع الكامل بنتائج التقرير برزت فئة أخرى أعطت الموضوع أبعادا دولية فوجد صاحب مكتب سفريات رفض الكشف عن اسمه «أن المنطقة تمر بظروف حساسة جداً يجب عدم التغاضي عنها وتناسيها وعدم ربطها بالتالي بالأحداث الداخلية.

فهناك من يسعى إلى قلب النظام السوري رأسا على عقب حتى يحقق مشروع الشرق الأوسط الجديد فيرسم خريطة العالم المقبل بما يتناسب مع مصالحه الخاصة، ولذلك اعتقد أن جريمة الاغتيال ما زالت تحتوي على خيوط مخفية وما زالت هناك عناصر مفقودة لابد من اكتمالها حتى تتوضح معالم الصورة».

وهنا يتدخل شخص آخر ليقول «لا توجد صورة أصلا حتى تتوضح، الجريمة ليست بسيطة ولن تتكشف معالمها بسهولة كما يريدون أن يقنعونا، علينا أن نسأل أنفسنا في البداية من هو المستفيد مما حصل حتى نعرف الحقيقة.

يراد لنا أن نذهب في السياق الذي نعيشه الآن والشعب اللبناني يسير كالمنوم مغناطيسياً، يتم استغلالنا لخدمة مشروع أميركي كبير يهدف إلى إلغاء القومية العربية وتشكيل العالم العربي بطريقة تتلاءم مع مصالح أميركا، إسرائيل، والاتحاد الأوروبي».

وبعيداً عن الهم السياسي، يعيش المواطن علي حجازي في جو الوضع المعيشي المتأزم الذي تمر به البلاد، معتبرا أن «الوقت الحالي ليس هو الوقت المناسب لكشف الحقيقة، فهناك أشياء أخرى أهم من هذه تتمثل بوضعنا الاقتصادي المتردي ابتداء من ارتفاع أسعار المازوت مع بداية الشتاء والآن البنزين ولا نعرف ماذا سيحل برغيف الخبز بعد فترة، كفى... الحقيقة لن تصلح الوضع المعيشي الذي نعيشه، فليبحثوا عن حلول للأزمات التي نتعرض لها بدلا من انتظار ميليس وتقريره».

هل من تصعيد؟

وإذا اختلفت الآراء حول مدى صحة مضمون التقرير فقد أجمع الشارع اللبناني على أن كل الأحداث الأمنية التي حصلت والتي يمكن أن تحصل لن تؤثر على الوضع الداخلي في لبنان ولن تؤدي إلى نشوب أي خلافات أو أزمات أو فتن.

وفي هذا السياق تقول خلود شعبان «تعبنا من الحروب، فاللبناني لم يعد قادرا على العيش في خوف وترقب، نريد أن نعيش في سلام مع بعضنا بعضا ولن نسمح لمن أدخلنا سابقا في جو الحرب أن يعود ويحقق مآربه من جديد».

ووجد طقوش أن «أي حرب جديدة ستقضي على لبنان وهذا ما لا يريده اللبنانيون لذلك نحن نتقبل الاختلاف في وجهات النظر ونستطيع التعايش معه ولكننا لن نتقبل مطلقا عراقا آخر في لبنان».

يبقى المفاجئ الهدوء الغريب الذي ساد شارع الحمرا، فالصخب الذي كان يملأ الفضاء اللبناني خلال الأشهر الماضية التي تلت عمليات الاغتيال المتكررة، تحوّل صمتاً وهدوءا بعد أن جاء التقرير مطابقا لرؤيتهم ، تحول وعيا وإيمانا بمستقبل لبناني وشعب لبناني لا يريد العودة إلى الحرب، وبالرغم من هذا الهدوء الشعبي نسبيا، حافظت القوى الأمنية على تأهبها واستنفارها استعدادا للمواجهة في حال حدوث أي طارئ أو تسلل من يريد الاصطياد في الماء العكر.. وهم كثر.

بيروت ـ دينا زين الدين، رجانا حمية: