قدم تقرير لجنة التحقيق الدولية حول اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري عبر 54 صفحة من الوقائع والتقارير والشهادات وتسجيل بعض الاتصالات الهاتفية صوراً شبه تفصيلية لأبعاد التخطيط للجريمة وتنفيذها. تالياً مقتطفات من التقرير تشمل ملخصه التنفيذي واستنتاجاته النهائية، والفصل الخاص بالتعاون السوري مع اللجنة.

الملخص التنفيذي

ـ قرر مجلس الأمن الدولي، في قراره الرقم 1595 بتاريخ السابع من ابريل العام 2005، تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة مقرها لبنان من أجل مساعدة السلطات اللبنانية في تحقيقهم في جميع أوجه الهجوم الإرهابي الذي جرى في 14 فبراير 2005 في بيروت والذي أدى إلى مقتل رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري وآخرين، ومن ضمن ذلك المساعدة في تحديد المنفذين والممولين والمنظمين والمتواطئين.

ـ أبلغ الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان المجلس أن اللجنة بدأت عملياتها كاملة في 16 يونيو العام 2005. مددت المدة الأساسية التي منحت للجنة حتى 26 أكتوبر 2005.

ـ تلقت اللجنة، خلال عملية تحقيقها، دعما واسعا من حكومة لبنان واستفادت من خبرات عدد من الخبراء الوطنيين والدوليين.

ـ ركزت الخطوط الأساسية لتحقيق اللجنة على مسرح الجريمة والأوجه التقنية للجريمة وتحليل الاعتراضات الهاتفية وشهادة أكثر من 500 شاهد ومصدر، إضافة إلى السياق الذي جرت في إطاره الجريمة.

جرى نقل الملف الكامل للقضية إلى السلطات اللبنانية في أكتوبر 2005.

ـ يحدد التقرير الحالي الخطوط الرئيسية لمسار التحقيق الذي أجرته اللجنة وملاحظاتها ونتائجها من أجل أن يأخذها مجلس الأمن بالاعتبار. يحدد أيضا تلك القضايا التي قد تتطلب مزيدا من التحقيق.

الاستنتاجات

وجهة نظر اللجنة أن الاغتيال في 14 فبراير 2005 نفذته مجموعة منظمة جدا وتمتلك موارد وقدرات ضخمة. جرى التحضير للجريمة على مدى أشهر. لهذا السبب، تمت مراقبة توقيت ومكان جميع تحركات السيد رفيق الحريري وجرى تسجيل مسارات تنقلات موكبه بالتفاصيل.

بناءً على النتائج التي توصلت إليها اللجنة والتحقيقات اللبنانية حتى اليوم، واستنادا إلى الأدلة المادية والوثائقية التي تم جمعها، والأدلة التي جرت متابعتها حتى الآن، هناك دليل متقارب يشير إلى تورط لبناني وسوري في العمل الإرهابي.

هناك حقيقة معروفة جدا وهي أنه كان للاستخبارات العسكرية السورية وجود نافذ في لبنان، على الأقل حتى انسحاب القوات السورية طبقا للقرار الرقم 1559.

كان المسؤولون الأمنيون اللبنانيون السابقون معينين من قبلها. نظرا لاختراق الاستخبارات السورية واللبنانية، اللتين كانتا تعملان الواحدة خلف الأخرى، للمؤسسات والمجتمع اللبناني، من الصعب تصور السيناريو الذي حصلت بواسطته مؤامرة اغتيال بهذا التعقيد وقد نفذ من دون علمهم.

وجهة نظر اللجنة أيضا هي أن اغتيال السيد الحريري جاء في سياق فيه استقطاب سياسي وتوتر شديدان. لقد عززت الاتهامات والاتهامات المتبادلة التي استهدفت السيد الحريري خلال الفترة التي سبقت الاغتيال نتائج اللجنة بأن الحافز المرجح للاغتيال كان سياسيا.

لكن، بما أن الجريمة لم تكن عمل أفراد وإنما مجموعة معقدة، يبدو كثيرا أن الاحتيال والفساد وتبييض الأموال كانت أيضا حوافز لأشخاص شاركوا في العملية.

تعتبر اللجنة أن التحقيق يجب أن يتواصل لفترة زمنية مقبلة. خلال الفترة القصيرة المؤلفة من أربعة أشهر، جرى استجواب أكثر من 400 شخص ومراجعة 60 ألف وثيقة وتحديد العديد من المشتبه فيهم وتم التثبت من بعض الأدلة. ومع ذلك فإن التحقيق لم يكتمل بعد.

تستنتج اللجنة أن التحقيق المتواصل يجب أن يسير قدما عبر السلطات الأمنية والقضائية اللبنانية المعنية، التي أثبتت خلال التحقيق أن بإمكانها، مع المساعدة والدعم الدوليين، التحرك قدما، ومع الوقت، اخذ القيادة بشكل فعال ومحترف. في الوقت نفسه، يتعين على السلطات اللبنانية أن تنظر في جميع تشعبات القضية، ومن بينها المعاملات المصرفية.

يتعين تقييم تفجير 14 فبراير بجلاء من ضمن سلسلة التفجيرات التي سبقته ولحقته، ذلك انه قد تكون هناك روابط في ما بينها، إن لم يكن بين جميعها.

ترى اللجنة، إذا رغبت السلطات اللبنانية بذلك، أن القيام بجهد مستمر من قبل المجتمع الدولي بهدف تحديد برنامج مساعدة ودعم للسلطات اللبنانية في مجالي الأمن والعدل، هو أمر جوهري، يعزز إلى حد بعيد ثقة الشعب اللبناني بجهاز أمنهم، فيما يجري بناء الثقة بقدراتهم.

رحب جميع الفرقاء اللبنانيين بالقرار الأخير بالمضي في تعيينات أمنية جديدة رفيعة المستوى، والذي كان خطوة مهمة باتجاه تعزيز استقامة الجهاز الأمني ومصداقيته. غير ان الأمر تحقق بعد أشهر من الفراغ الأمني والسجال الطائفي السياسي الواسع. يتطلب القيام بالكثير للتغلب على الانقسامات الطائفية، وفصل الأمن عن السياسة، وإعادة هيكلة الجهاز الأمني بهدف تجنب المسالك الموازية في تقديم التقارير والازدواجية، ولتعزيز المساءلة.

خلصت اللجنة، بعدما قابلت شهودا ومشتبها فيهم في الجمهورية العربية السورية وأثبتت أن العديد من الأدلة تشير مباشرة إلى مسؤولين أمنيين سوريين بصفتهم متورطين في عملية الاغتيال، إلى أنه يتوجب على سوريا أن توضح جزءا كبيرا من القضايا التي لم تجد لها حلا.

وفيما أقدمت السلطات السورية، بعد تردد أولي، على التعاون بشكل محدود مع اللجنة، حاول العديد ممن تمت مقابلتهم تضليل التحقيق عبر إعطاء إفادات خاطئة او غير دقيقة.

ثبت أن الرسالة التي وجهها وزير الخارجية السوري فاروق الشرع إلى اللجنة تحوي معلومات خاطئة. يمكن الوصول إلى الصورة الكاملة لعملية الاغتيال فقط عبر القيام بتحقيق شامل وموثوق، يجرى بشكل مفتوح وشفاف، بهدف الإرضاء الكامل للمجتمع الدولي.

نتيجة لتحقيق اللجنة حتى تاريخه، جرى اعتقال عدد من الأشخاص واتهموا بالتآمر في ارتكاب الجريمة وبجرائم أخرى مرتبطة باغتيال السيد الحريري و22 آخرين. وجهة نظر اللجنة بالطبع هي أن جميع الناس، وبينهم هؤلاء المتهمون بجرائم خطيرة، يجب أن يعتبروا بريئين إلى أن يتم إثبات أنهم مذنبون، في محاكمة عادلة.

التعاون السوري مع اللجنة

ـ المعلومة المشار إليها أعلاه والدليل الذي جمعته اللجنة مفصل في الجزء التالي تحت عنوان التخطيط للاغتيال، يشير إلى احتمال ان مسؤولين سوريين شاركوا في اغتيال السيد الحريري. عندما حاولت اللجنة الحصول على تعاون الحكومة السورية في ملاحقة هذه المسارات في التحقيق، لاقت اللجنة تعاونا بالشكل لا بالمضمون.

الاتصال الأولي بين اللجنة والسلطات السورية جرى في 11 يونيو 2005 عندما أرسلت اللجنة رسالة إلى وزير الخارجية السوري تطلب اجتماعا مع ممثلين عن الحكومة السورية.

رد السيد الشرع في 11 يوليو، يتعهد بدعم الحكومة السورية للتحقيق بعبارات عمومية. في 19 يوليو، طلبت اللجنة مقابلة عدد من الشهود بمن فيهم رئيس الجمهورية العربية السورية. في 26 أغسطس، بناءً على طلب من الحكومة السورية، عقد اجتماع بين المفوض وممثل عن وزارة الخارجية السورية في جنيف، في سويسرا.

وفي الاجتماع، أعطى المفوض رسالة تتضمن بيانات مكتوبة من أربعة شهود. وتمت الإشارة إلى ان الرئيس الأسد لن يكون حاضرا لأي مقابلة. كرر المفوض طلبه لمقابلات مباشرة مع الشهود وتم إخباره ان الطلب قيد النظر لكن الرئيس الأسد لن يكون متوفرا لتتم مقابلته.

ـ في 30 اغسطس، أرسلت اللجنة طلبا آخر لوزير الخارجية السورية تطلب مقابلات لمزيد من الشهود والمشتبه فيهم في سوريا. طلبت الرسالة دعم الحكومة السورية لتفتيش مواقع المشتبه فيهم. في 7 أغسطس، ابلغ وزير الخارجية الشرع اللجنة كتابة انه في حين ان دليل اللجنة يستند إلى شهادة خاطئة، فإن حكومته وافقت على ان بإمكان اللجنة إجراء مقابلات مع الشهود الذين أدرجتهم في طلبها في 19 يوليو، ما عدا الرئيس الأسد.

في 12 سبتمبر تمت مناقشة التفاصيل التي خلصت إليها المقابلات بين اللجنة وممثلين عن وزارة الخارجية السورية. وعبرت اللجنة عن أمنيتها بأن تعقد المقابلات في بلد ثالث، غير لبنان أو سوريا، لكن ذلك رفض. وأصرت السلطات السورية على أن تعقد المقابلات في سوريا بمشاركة مسؤولين سوريين. وتمت المقابلات بين 20 و23 من شهر سبتمبر.

وتمت إدارة كل مقابلة بحضور المستشار القانوني لوزارة الشؤون الخارجية السورية أو ممثل آخر من وزارة الخارجية، ومترجم، وكاتبَيْن.

وفي بعض الأحيان شخص إضافي لم يعرف لأية جهة ينتمي. ومع انتهاء المقابلات، كان من الواضح أن من أجريت معهم المقابلات قد أُعطوا إجابات منسقة للأسئلة. وبعض هذه الإجابات كانت تتناقض مع الأدلة التي جمعتها اللجنة من مصادر متعددة. ولم يتسنَ للجنة الفرصة لمتابعة هذه المقابلات أو تتبع تحقيقاتها حول وجود تورط سوري محتمل في الجريمة.

ـ وقد استنتجت اللجنة أن غياب التعاون الحقيقي من قبل الحكومة السورية مع اللجنة قد أعاق التحقيق وجعل من الصعب اللحاق بالإرشادات التي قدمتها الأدلة المجموعة من مصادر متعددة.

وكي يكتمل التحقيق، فمن الضروري أن تتعاون الحكومة السورية بالكامل مع سلطات التحقيق، بما في ذلك السماح بعقد المقابلات خارج سوريا، وبعدم مرافقة مسؤولين سوريين للأشخاص المطلوب مقابلتهم.