بعد مرور أكثر من ثلث أيام الشهر الكريم احتلت موائد الإفطار الرمضانية للأحزاب والقوى السياسية والنقابية المصرية ساحة واسعة من الاهتمام الإعلامي والسياسي في مصر. وبعد أن كانت الصحف المصرية تنشغل سنويا بمتابعة «موائد الرحمن» التي يقيمها ذاك السياسي الكبير أو تلك الراقصة الشهيرة بات الاهتمام مركزا على متابعة «موائد الإفطار السياسية» التي تحول بعضها إلى مؤتمرات سياسية وجماهيرية.
بل أيضا مناسبة للدعوة إلى مظاهرة هنا أو هناك أو عقد مؤتمر انتخابي، وامتد هذا الاهتمام إلى وسائل الإعلام العربية والأجنبية حتى أن قناة «الجزيرة» القطرية قامت بنقل وقائع حفل الإفطار السنوي الأخير لجماعة الإخوان المسلمين على الهواء مباشرة قبل بدئه بنحو نصف الساعة راصدة حتى لحظات دخول الضيوف واستقبال مرشد الجماعة وقياداتها لهم.
ولا يخلو الأمر من الطرافة في حفلات الإفطار هذه ما يجتذب الاهتمام فمن مفاجأة القبطي الأشهر على تلك الموائد المفكر الدكتور ميلاد حنا للحاضرين بحفل الإفطار السنوي للمهندسين المصريين بتقدمه صفوف المصلين الذين يؤدون صلاة المغرب ومشاركته إياهم في الصلاة إلى انتزاع الشاعر المعروف أحمد فؤاد نجم لـ «آهات» الحاضرين في حفل الإفطار ـ السنوي لحزب الوسط «ذي الاتجاه الإسلامي» ـ «تحت التأسيس»
عندما ألقى إحدى قصائده الشهيرة تحت عنوان «البتاع» فأعاد إلى الحاضرين جملة طالما افتقدوها في السنوات الأخيرة حيث كانوا يصرخون عقب انتهاء كل مقطع من قصيدته قائلين له : أعد.. أعد «ولأن شاعرا شابا سبق نجم في إلقاء قصيدة - بالفصحى هذه المرة ـ وجه فيها انتقادات لاذعة لنظام الحكم في مصر
فقد علق الحاضرون من الإعلاميين والسياسيين قائلين بأن أشعار نجم والشاعر الشاب سوف تحجب أنوار الاعتراف الرسمي بالحزب الذي أعلن مؤسسوه المنشقون عن جماعة الإخوان المسلمين ـ عنه منذ أكثر من تسع سنوات».
وقد استغل المهندس أبو العلا ماضي وكيل مؤسسي حزب الوسط فرصة الحضور الكبير للإعلاميين والسياسيين لحفل إفطار حزبه ليعيد من جديد التأكيد على مبادئ الحزب والتشديد على أن ما يهمه هو الاعتراف الشعبي بالحزب قبل الاعتراف الرسمي.
ومن حفل إفطار حزب الوسط إلى حفل إفطار المهندسين المصريين والذي كان مناسبة جيدة لأن يعلن تجمع «مهندسون ضد الحراسة» فيه الدعوة إلى مظاهرة للمهندسين أمام دار النقابة الشهر الحالي لكسر القيود المؤقتة عليها وإعلان الاحتجاج على إهدار الحكومة للأحكام القضائية الصادرة بإجراء الانتخابات وإنهاء الحراسة القضائية المفروضة عليها منذ أكثر من عشر سنوات.
ولأن الأهداف متعددة من وراء حفلات الإفطار هذه - كما يحلو لأصحابها تسميتها - فقد دعا رئيس حزب الأحرار الليبرالي حلمي سالم أكبر عدد ممكن من أمناء حزبه إلى حفل إفطار هذا العام بدار الشرطة في منطقة عابدين للتأكيد على ولائهم والتقليل من أهمية الانشقاقات - الحقيقة - التي أعلنها عدد آخر كبير من هؤلاء الأمناء والدعاوى القضائية المرفوعة من منافسين لسالم لإبطال حصوله على قرار من لجنة شؤون الأحزاب برئاسة الحزب الذي يعد أول الأحزاب المعلن عنها مع بداية التعددية الحزبية عام 1976على يد مؤسسه الراحل مصطفى كامل مراد،
وفي إطار أهداف مشابهة يسعى كل من نقيب المحامين سامح عاشور وأعضاء لجنة الشريعة بنقابة المحامين من المنتمين لجماعة الأخوان المسلمين إلى التباري في دعوة أكبر عدد ممكن من أنصارهما إلى مائدتي إفطار سنويتين هي في الغالب فرصة من كل منهما للهجوم على الآخر في إطار الصراع المحتدم بينهما ـ عاشور والإخوان ـ للسيطرة على نقابة المحامين.
وعلى العكس من تلك الأهداف ومن ضخامة الحضور وفخامة الطعام المقدم على مائدة الإفطار هذه يأتي حفل إفطار الأسرة الصحافية السنوي «الذي أعتاد نقيب الصحافيين الحالي جلال عارف الدعوة إليه منذ توليه منصب النقيب قبل عامين ولأن نقابة الصحافيين معروفة بضآلة مواردها المالية قياسا بكل النقابات المهنية المصرية فإن الطريف في الأمر أن النقابة تدعو الراغبين في الحضور لهذا الإفطار إلى دفع مبلغ 15 جنيها لخزينتها قبل الحضور بيومين على الأقل.
ولا تفوت جماعات حقوق الإنسان المصرية فرصة شهر رمضان دون دعوة عدد من أعضائها والإعلاميين المتابعين لأنشطتها وأكبر عدد ممكن من السياسيين المشاركين فيها على حفلات إفطار تتباين في فخامتها وأعداد الحاضرين فيها فيما يحرص عدد منها على تقديم فقرات فنية وشعرية للحاضرين عقب انتهاء الإفطار.
القاهرة ـ محيي الدين سعيد